بعيداً عن المشاحنات والمحاولات والتوترات اليومية بين أنصار النظام وبين من يقفون تحت مظلة المعارضة المخرومة، في الهجوم والهجوم المعاكس والفرق في تفاصيل الحوادث والمكاذبات والتوترات اليومية والدماء التي تسيل على أرض سورية العزيزة! .. بعيداً عن كل ذلك .. وعلى أهميته، لكن دون الخروج ولو قليلاً لرؤية العام والكلي أي رؤية هذه التفاصيل من خلال رؤية اللوحة الكلية لا يمكن لنا أن ندرك حقيقة ما يجري .. فسورية ليست خارج المنطقة ولا هي خارج هذا العالم .. ولا هي بلد يعوم في الفضاء الخارجي!!..
فمن لا يريد أن يدرك أو هو لا يدرك بالفعل أن هناك في هذه المرحلة رأسمالية عالمية تعيش أزمتها البنيوية وغارقة في مشاكلها وتناقضاتها الاقتصادية والاجتماعية وأن هناك أسئلة مصيرية تواجه البشرية برمتها متعلقة في مستقبلها ومستقل الكوكب الذي تعيش عليه والذي أوسعته الرأسمالية نهباً وتخريباً بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ، فهي في مرحلتها المتوحشة هذه باتت تفترس الحجر والبشر بل وحتى تلك القيم الإنسانية والسياسية التي أنتجتها في بداياتها آنذاك أو تلك التي فرضت عليها فرضاً أبان الصراع مع النظام السوفييتي، حيث باتت تنقض على مكتسبات الناس في العالم وفي بلادها محاولة إرجاع التاريخ إلى ما قبل عام /1917/ وإلغاء كل النتائج الإيجابية التي ترتبت على هذا الحدث الكوني، حتى ما بعد سقوط وانهيار المنظومة الإيجابية التي ترتبت على هذا الحدث الكوني، حتى ما بعد سقوط وانهيار المنظومة الاشتراكية وجاهدت الإمبريالية الأمريكية جهاداً مسعوراً لكي تنفرد بقيادة هذا العالم وتحويله فعلاً إلى قرية صغيرة يقودها (آغا) موتور يكون الأمر الناهي على العباد والبلاد، لكن آليات الصراع الطبقي الحادة ما بين الشعوب والإمبريالية وما بين الإمبرياليات نفسها في صراعها على تقاسم النفوذ لا تسمح ولم تسمح على أرض الواقع في تحقيق الحلم الأمريكي!!..
ومن هنا يدور الصراع الإمبريالي لا على سورية فحسب ... ولا على المنطقة فحسب بل على العالم، فهذا السُعار الإمبريالي اليوم يشمل العالم ومنه منطقتنا التي تـُسمى في المصطلح الاستعماري (الشرق الأوسط) والذي يُراد إعادة السيطرة عليه تحت ما يُسمى بالشرق الأوسط الجديد أو الكبير بآليات ما أطلق عليه بالفوضى الخلاقة أي تحديث آليات السيطرة الاستعمارية، وتحديث الأنظمة التابعة لها عن طريق إعادة بنائها من جديد إن كان من خلال تلميع صورتها أو تغيير (الامبلاج) الخارجي لها مع المحافظة بالتأكيد على نفس المضمون القذر والعفن والعمل على قدم وساق لإزالة الأنظمة والقوى اللذين شكلا أو ما زالا يشكلان عقبة في مواجهة هذه السيطرة من خلال تدمير بنية الدولة وإغراقها في بحر الفوضى والقضاء على النتائج الإيجابية لهذه الأنظمة (حتى ولو كانت قليلة) من خلال شيطنتها وتصوير أن ما أنتجته في مرحلتها السابقة هو شر مطلق مستفيدة من الأخطاء القاتلة والأعمال الإجرامية لهذه الأنظمة ليس بهدف تقديم خدمات مجانية لهذه الشعوب التي عانت من ويلات الأنظمة الديكتاتورية لا بل لانتزاع المكتسبات والنتائج الإيجابية للمراحل السابقة من تعليم وصحة وخدمات. وكي تصبح هذه الجماهير ع الأرض يا حكم .. بعد إدخالها في نفق الصراعات الداخلية القاتلة والمشوهة .. ولنا مثل في ما جرى في العراق الشقيق!..
حيث تم ضرب البنية التحتية، وتم تخريب التعليم وتم قتل وتصفية وتهجير العقول وضرب الزراعة والصناعة ونهب النفط بشكل وحشي وإحياء العشائرية واستنهاض الطائفية لا بل استنبات وإيقاظ كل ما هو متخلف ورجعي وضرب كل ما هو تقدمي وتنويري وإبعاده عن دائرة الضوء وكل ذلك ترافق وتساوق مع تجويع وتعطيش وقتل وتهجير الناس وتلويث البيئة دون أن يرف جفن للأمم المتحدة، أو لما يُسمى بالمجتمع الدولي الذي يُقدسه اليوم أغنياء السياسة وعملاء الإمبريالية!! .. وبالطبع جرى تحرير كل ذلك الإجرام والذي فاق بكل المقاييس إجرام صدام حسين ونظامه الديكتاتوري بشعارات براقة ونبيلة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وإزاحة الطاغية .. وبتعتيم إعلامي وتضليل أخلاقي لتداس الديمقراطية وحقوق الإنسان وليترحم الناس على الطغاة وأهوالهم! .. واستخدام العراق قاعدة لنشر الطائفية لا في العراق فحسب بل ولتصديرها إلى دول الجوار واستخدامها ورقة في النضال ضد حزب الله قاهر إسرائيل وتشويه صورته من خلال اللعب بالورقة السنية الشيعية .. وجعلها ورقة الصراع الأساس .. واستبدالها بورقة الصراع العربي الإسرائيلي التي يتم التشويش عليها وطمسها .. بحيث يتم اليوم اللعب بورقة الإسلام السياسي الأخواني لمواجهة إيران وحزب الله.
ومن هنا لا يمكن لنا فهم مسألة إعلان مقتل بن لادن على أنها مسألة نضال إمبريالي ضد الإرهاب .. كما تكذب وتدعي أمريكا وأذنابها الخليجيون عادة بقدر ما يمكن أن تفهم على أنها إنذار رمزي للبدء بمرحلة جديدة من استخدام الإسلام السياسي الرجعي كأداة تصلح في المرحلة الراهنة لتنفيذ السياسات الإمبريالية والتي أثبتت صلاحيتها في المرحلة السابقة، فعدم المؤاخذة يعني مو أنا اللي صنعت الأخ بن لادن ولا القوى التقدمية والوطنية لمواجهة الشيوعية ولا نحن الذين سميناه بمجاهد الحرية .. ابن لادن باختصار هو صناعة أمريكية سعودية حصرية!...
إذن إعلان مقتل بن لادن وذر رماده فوق البحر ما هو إلا ذر رماد في العيون والذي لا ندري هل مات فعلاً أو هو ميت سابقاً ... وطبعاً هذا تفصيل لا أهمية له، المهم أن أمريكا التي استفادت من بن لادن في المرحلة الماضية من خلق صورة العدو الإسلامي تريد اليوم التصالح مع هذا العدو من خلال التعاون مع إسلام سياسي يدعي الوسطية والديمقراطية فاحترام تبادل السلطة سلمياً والدولة المدنية ... الخ ... فمثلاً الإخوان المسلمون والذين تربطهم علاقات ودية تاريخياً مع أمريكا وبريطانيا، هذا الإسلام السياسي جاء دوره اليوم دون أن ننسى أنه قد جرى التمهيد له من خلال خلق نموذج له في تركيا (الأردوغانية) ومن ثم تعميمه على دول المنطقة من خلال مداعبة الشعور الطائفي عند الجماهير في هذه البقعة الجغرافية من العالم .. ولخلق اصطفاف سياسي لمواجهة الاصطفاف السوري الإيراني الروسي الصيني والذي يلعب دوراً مهماً في إحباط المشاريع الأمريكية والأوروبية في الهيمنة على هذه المنطقة.
فإذاً ما كان النظام الإيراني ذا إيديولوجيا دينية معينة فبالتأكيد لا الصين ولا روسيا ولا غيرها شيعيته ... لذلك تعتمد الولايات المتحدة على إثارة الغرائز الدينية في لعبها السياسي كما تعتمد في ثقافتها التي تعممها من خلال إعلامها والتي تثير الغرائز الحيوانية في الإنسان حيث يتم تعميم الرعب والجنس بشكله المشوه غير القائم على الحب وخلق روح الأنانية وقتل كل ما هو نبيل بالإنسان.
إن الولايات المتحدة استطاعت من خلال أذيالها (منظمات مجتمع مدني ومنظمات حقوقية) ومن خلال وسائل الإعلام الرجعي ومن خلال ضعف القوى السياسية التقدمية والوطنية من ركوب موجة الاستياء العارم للشعوب العربية من أنظمتها القمعية والديكتاتورية وخصوصاً من تلك التابعة لها ومداعبة أحلامها (أي الشعوب) من خلال رفع الشعارات التي توهم بالثورة دون أن تكون فعلاً هي ثورية لانفصالها عن جذرها الطبقي والوطني .. وخلق وهم من أن طلب التدخل الخارجي والاستعانة بالناتو وتدمير بنية الدولة والبنى التحتية وتدمير الاقتصاد الوطني والجيش الوطني والكفاءات الوطنية هو عمل وطني وازدراء كل من يمارس دوراً في النضال ضد الصهيونية وتحويله إلى عدو مفترض لذلك بتنا نرى استشراء تسلم الأخوان المسلمين للحكومات في المغرب وتونس وليبيا ومصر ــ في فلسطين لا مشكلة فهناك الكيان الصهيوني ــ وكذلك الأخوان يحكمون تركيا .. والدور سيأتي لاحقاً على الجزائر إن نجحت الإمبريالية في إسقاط النظام السوري .. (ولكن يبدو أن النجار ألإمبريالي تواجهه العقدة السورية ...).
بالطبع الأخوان اليوم استطاعوا تصدر اللوحة من خلال المال السياسي الذي تضخه دول النفط في دعمهم ومن خلال الإعلام الرجعي والذي مثلته قناة الجزيرة أفضل تمثيل إن كان سابقاً في متابعة نشاطات تنظيم القاعدة وإن لاحقاً في تظهير صورة الأخوان المشرقة، وفي الحقيقة الأخوان تاريخياً يجيدون الدجل السياسي ولنذكر ببعض المواقف في الثمانينات في سورية إثر أعلان الأخوان انشقاقهم لتيار عسكري وتيار سياسي حيث يتبرأ التيار السياسي من إجرام التيار العسكري علماً إنهم (اثنين بواحد)، وفي مصر وأثناء الانتفاضة أعلن الأخوان أنهم لن يترشحوا الرئاسة الجمهورية لنرى بعدئذ انشقاقاً عنهم يعلن أنه سيرشح ممثلاً عنه للانتخابات، وعندما يحضر قسم منهم مؤتمر أنطاليا، أو مؤتمراً للصهيونية برنار ليفي ــ يعلنون أن أولئك الأخوانيين حضروا بصفة شخصية لا حزبية، الغنوشي في تونس يعلن أنه مع الديمقراطية والعلمانية لكن نائبه يعلن في الآن ذاته أنه مع الخلافة الإسلامية ... وهكذا.
بالطبع هذا غيض من فيض، والخدمات الجليلة التي قدمها ويقدمها الأخوان لأسيادهم معروفة ومكشوفة ولا نغش إلا أولئك الأغبياء الذين لا ينظرون أبعد من أنوفهم القصيرة والفطساء.
نضال الماغوط