أصدر المركز الوطني للتنافسية تقريره الوطني الثاني لتنافسية الاقتصاد السوري للعام الماضي /2011/، والذي تضمن عرضاً للعوامل المؤثرة على التنافسية وقدرة الاقتصاد السوري على النمو، مبيّناً حجم المخاطر المالية المرتبطة به.
وقبل الدخول في المعلومات الواردة في التقرير نسجّل استغرابنا لما ورد من حيث الهدف من إصدار هذا التقرير ــ حسب مصدريه، من حيث أنه يوفر أداة هامة للمستثمرين في التقاط الفرص الاستثمارية، ومن حيث توجيه القرارات الاستثمارية ضمن بيئة الأعمال السورية، ومن حيث مساعدة الحكومة في العمل على توفير بيئة أعمال جاذبة للاستثمار من أجل زيادة معدلات النمو، وطبعاً يفهم من هذا التمهيد أن هناك البعض ممن لا زالوا يدفعون باتجاه بيع الاقتصاد الوطني لمستثمر غريب هدفه الربح ثم تهريب رأسماله وأرباحه لخارج البلد.
بكل بساطة وحتى يفهم المواطن السوري نقول بداية: الحكومة هي أم الاقتصاد السوري المنتج (هذا يفترض بها، أمّا أن تبيع الأم أولادها الأصحاء قبل المرضى لتاجر تشريح جثث وأحياء فهذه ليست وظيفة الحكومة).
ويجب التنويه إلى أن أرقام التقرير ــ واردة على ذمة واضع التقرير ــ لنبدأ بـ:
بيئة الاقتصاد الكلي ...
أكد التقرير أن سورية تملك عدداً من الميّزات التنافسية ونقاط القوة في بيئة الاقتصاد الكلي حيث يبلغ معدّل الادخار القومي /19.9%/ من الناتج المحلي الإجمالي لتحتل بذلك سورية المركز /73/ من أصل /142/ دولة، كما بلغ متوسط سعر الفائدة بين الإقراض والإيداع في المدى القصير نحو /3,7%/ وبالتالي احتلت سورية المركز /42/ من أصل /142/ في مؤشر مدى الفائدة المصرفية، في حين حافظت سورية على مستويات «منخفضة» من الديّنْ العام الذي بلغ /27,5%/ من الناتج الإجمالي لتحتل سورية المرتبة /138/ من أصل /142/.
بالنسبة للحكومة الالكترونية ...
يشير التقرير إلى أن سورية حصلت على المرتبة /133/ من أصل /148/ في مؤشر تطوّر الحكومة الالكترونية بقيمة مؤشر بلغت /0,0143/، وذلك بمقياس من /0 ــ 1/ درجة الأفضل، والذي يقيس رغبة الحكومة وقدرتها على استخدام الانترنت والهواتف النقالة من أجل الارتقاء بخدماتها.
بالنسبة للديون العامة ...
يقول التقرير أن إجمالي الديون العامة انخفض إلى /31,8%/ من الناتج المحلي الإجمالي المقدّر في عام /2009/ بعد أن بلغت /32,4%/ في عام /2008/، في حين بلغت ذروتها /130%/ عام /2002/، وأظهر التقرير أن إجمالي الديون العامة بالنسبة لإجمالي إيرادات الموازنة تبدو مرتفعة حيث بلغت /145%/ في عام /2009/، مترافقة مع ضعف الإدارة الضريبية وضعف القاعدة الضريبية، إضافة إلى عبء خدمة الديون العامة والبالغ حوالي /15%/ من الإيرادات المقدرة وحوالي /3,4%/ من الناتج المحلي الإجمالي في عام /2009 ــ 2010/، وقدرت الديون المستحقة بالعملة المحلية بحوالي /63%/ من إجمالي الديون كما أن /90%/ منها مستحقة السداد لمصرف سورية المركزي وللمصارف العامة الأخرى، في حين يبلغ صافي الديون المحلية نحو /6%/ من الناتج الإجمالي و /26%/ من الإيرادات في عام /2009/.
أما الدين العام الخارجي فقد أظهر التقرير أن الدين العام في سورية يبلغ حوالي /5,8/ مليارات دولار، والذي يشكل /11,6%/ من الناتج الإجمالي، و /33%/ من إيرادات الحساب الجاري في عام /2009/، كما أن حجم الدين العام الخارجي يبلغ أقل من الأصول الأجنبية الرسمية لسورية، ولاسيما أن صافي الأصول الأجنبية يبلغ /11/ مليار دولار أمريكي والذي يشكل حوالي /23%/ من الناتج الإجمالي من إيرادات الحساب الجاري.
بالنسبة لعجز الموازنة ...
بيّن التقرير أن هناك تراجعاً في إنتاج النفط الخام، والذي كان يعدّ المصدر الرئيسي /50%/ من الإيرادات الحكومية في عام /2003/، وأن الموازنة العامة حافظت على عجز يتراوح بين /3% و 5%/ من الناتج المحلي الإجمالي، باستثناء عام /2009/ ليرتفع العجز في الموازنة العامة إلى /6%/ من الناتج المجلي الإجمالي المقدّر للعام ذاته.
بالمناسبة عجز الحكومة السابقة في موازنتها كان: /4%/ فقط، ويقول بعض الخبراء أن عجز الموازنة هذا العام /40%/.
بالنسبة لمعدّل النمو الحقيقي ...
بيّن التقرير أن معدّل النمو الحقيقي في سورية يبلغ /6%/ سنوياً وفقاً للإحصاءات الرسمية الصادرة عام /2007/، ويشير التقرير إلى أن النمو تباطأ في عام /2008/ إلى /4,3%/ نظراً للتراجع في الاقتصاد العالمي واقتصاد منطقة الشرق الأوسط، لكن معدّلات النمو وحسب التقرير عادت للارتفاع عام /2009/ إلى حوالي /4,8%/، إضافة إلى أن قطاعات الصناعات والتجارة الداخلية تباطأت بشكل ملحوظ وفقاً للتقديرات الرسمية لنمو الناتج المحلي الإجمالي غير الزراعي والذي انخفض إلى /2,8%/ بعد أن كان /7,5/ عام /2008/.
بالنسبة للبطالة
وضغوطات سوق العمل ...
أشار التقرير إلى أن معدّل البطالة الرسمي ارتفع بشكل حاد ليصل إلى /10,9%/ عام /2008/، بعد أن كان /8,4%/ في عام /2007/، ولكنه عاد لينخفض إلى /8,5%/ في منتصف عام /2009/، كما أن حوالي ثلثي العاطلين عن العمل لم يسبق لهم أن حصلوا على عمل من قبل وأن إيجاد فرص العمل لا يزال تحدّياً كبيراً، وذلك أن قوة العمل تنمو بمعدلات سنوية مرتفعة تبلغ حوالي /3,4%/، ومن المتوقع أن تنمو بمعدلات متزايدة خلال المرحلة المقبلة نظراً للنسبة الكبيرة للأعمار دون /15/ سنة، والتي تبلغ /38%/، بالإضافة إلى انخفاض معدّل مشاركة الإناث في قوة العمل إلى /15%/ ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد غير النفطي بمعدلات لا تقل عن /6% أو 7%/ على مدار العقد القادم.
وبالنسبة لحصة الفرد ...
بيّن التقرير أن التركيبة الهيكلية للاقتصاد والنمو في سورية تتمحور حول أربعة مكونات أولها القاعدة الإنتاجية وتنوع الاقتصاد، ولاسيما أن حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي تبلغ /2500/ دولار أمريكي، ويشكل الإنتاج النفطي حوالي /24%/ من الناتج و /25%/ من عائدات الموازنة و /40%/ من عائدات التصدير، إلا أن حجم الإنتاج من النفط الخام يتجه نحو الانخفاض ذلك أنه يبلغ حوالي /60%/ مقارنة بذروة حجم الإنتاج التي وصل إليها النفط في منتصف التسعينات من القرن الماضي، ومن المتوقع أن يبلغ حجم الاحتياطات النفطية حوالي /2,5%/ مليار برميل، ومن المرجح أن تنفذ بعد /18/ عاماً عند مستوى إنتاج يبلغ /376920/ برميلاً يومياً.
بالنسبة للنمّو الاقتصادي ...
حافظت سورية على موقعها في المرحلة الانتقالية الأولى بين مرحلة الاقتصاديات المعتمدة على عوامل الإنتاج ومرحلة الاقتصاديات المعتمدة على الكفاءات وذلك لتجاوز حصة الفرد من الناتج الإجمالي /2000/ دولار أمريكي، حيث بلغ /2576/ دولار أمريكي، كما بلغ متوسط الصادرات للسلع الأولية من إجمالي الصادرات خلال الخمس سنوات حوالي /44%// وبالتالي أصبحت سورية قريبة من دخول المرحلة الثانية وهي مرحلة الاقتصاديات المعتمدة على الكفاءة في حال تجاوزت حصة الفرد /3000/ دولار أمريكي.
وأشار التقرير إلى أن نسبة استجرار المياه الزراعية من إجمالي الموارد المائية إلى /87,3%/ من إجمالي الموارد، لتحتل بذلك المركز /93/ من أجل /100/ دولة، كما بلغت كمية الطاقة المستخدمة فيها نحو (2/1) كيلو طن لكل دولار أمريكي من القيمة المضافة في الصناعة ليحتل بذلك المركز /71/ من أصل /100/.
كما بيّن التقرير أن سورية احتلت المركز /109/ من أصل /142/ دولة في مؤشر استقلال القضاء عن تأثير مسؤولي الحكومة أو المواطنين أو الشركات.
من هذا التقرير يتبين أن هناك تراجعاً في الاقتصاد السوري، ورغم أن هذه الأرقام الواردة هي ــ تجميلية ــ جداً، لأن كل خبراء الاقتصاد يدركون الأرقام الحقيقية للنمو والبطالة والتضخم والديّنْ العام وعجز الموازنة، والتي هي مخيفة حقيقة ً، ومن المؤسف أن من ضمن السياسات المقترحة التي خَلـُصَ إليها التقرير لاستدامة تنافسية الاقتصاد السوري ــ حسب تعبيرهم ــ هناك سياسة للاستثمار في القطاع الإنتاجي، وتشجيع الاستثمار في المدن الصناعية وتشجيع الاستثمار في الكهرباء، وسياسات أخرى موجّهة لتطوير عمل المصارف العامة والخاصة وشركات التأمين والاستثمار.
هذه السياسات التي أوصلت بلدنا ــ باعتراف تقريرهم ــ لمراتب متأخرة بين دول العالم، ويا ريت لو أخبرنا واضع التقرير ما هي الدول التي بقيت خلفنا، وأخشى أن تكون دولاً فيها كوارث أو حروب، ونعيد القول بأن السبيل الصحيح لإنقاذ الاقتصاد الوطني هو دعم القطاع الإنتاجي الحقيقي ــ زراعة، صناعة ــ وليس الوهمي ــ الورقي ــ سندات ومصارف خاصة وبورصات تتأرجح بين ألأحمر والبرتقالي والأخضر، فإذا كانت الحكومة تتخلص من ــ قطاعات عامة خاسرة حسب قولها ــ فلماذا لا تعامل الحكومة البورصة الفاشلة التي لا تفيد الاقتصاد الوطني بذات التعامل؟
يجب مكافحة التهرّب الضريبي وتحقيق العدالة الضريبية فلا يُعْقل أن تسعى دولة للتنافس مع دول العالم، وقانونها الضريبي سيف مسلط على الفقراء يطبقون عليه نظرية التحصيل الضريبي المسمّاة:
(الحجز عند المنبع)، يعني قبل قبض الراتب تأخذ الدولة حقها من ذوي الدخل المحدود بينما كبار التجار والسماسرة لا تعرف الدولة كيف تأخذ حقها منهم، يجب الانطلاق بسرعة بمشاريع السكن لكسر المضاربات العقارية التي تسرح وتمرح في البلد، يجب خلق فرص عمل حقيقية وبسرعة ومَنْ غير القطاع العام القوي الصحيح المنتج غير المخسّر قادر على التصدّي لجبهات عمل جديدة.
أكبر نجاح للاقتصاد السوري هو انعكاسه على حياة المواطن السوري ولا تنفع أية تقارير (ممكيجة) و (مزينة) في إقناع المواطن السوري أن معيشته تتقدم نحو الأفضل وهو يرى أن قلة قليلة تقطف خيرات الدورة الاقتصادية الوطنية بينما الأغلبية الساحقة لا تشعر بأي نمو وهذا ما لم يشيرْ إليه التقرير، ولا يجوز أن تملك دولة ــ مثلاً ــ /2,5/ مليار برميل احتياطي للنفط ويكون شعبها برداناً وترتيبه مخجل بين الدول من حيث أبرد الشعوب.
عمر أدهم