تنطلق كل فترة دعوات للإصلاح ومعالجة أوضاع القطاع العام وتعلو النداءات وتشكل اللجان وتقترح مشاريع ــ وكأن القضية في اللجان والمشاريع ــ وتستمر الأحوال على ما هي عليه فلا إصلاح ولا محاولة جدية على أرض الواقع لإزالة مصاعب القطاع العام وخاصة الإنتاجي وتستمر معاناة قطاع الدولة الذي تم تفكيك أوصاله ومحاصرة مواقعه وزيادة مصاعبه جراء السياسات «الإصلاحية» الليبرالية التي اتبعت تجاهه وما زال مفعولها مستمراً.
ويبدو واضحاً أن خلف دعوات الإصلاح كانت تكمن غايات أخرى جوهرها محاصرة قطاع الدولة وإنهائه. وخلف دعوات الإصلاح وخاصة لأوضاع قطاع الدولة تمت عملية سرقة قطاع التأمين لصالح قوى ومصالح وشركات خاصة وسحب البساط من تحت أقدام القطاع العام المصرفي والتجارة الخارجية وتشابكت في هذه العملية دعوات الإصلاح الاقتصادي التي أثنى عليها صندوق النقد والبنك الدولي ذات الطابع الليبرالي مع الامتناع عن الإصلاح لأوضاع القطاع العام فعلاً والتراجع التدريجي عن مواقعه لصالح الأثرياء الجدد وأنصار العولمة والانفتاح والاندماج والذين ما زالوا بهذه الطريقة أو تلك يقبضون على زمام السياسة الاقتصادية وتوجهاتها العامة أو يحاولون عرقلة لملمة آثار السياسات الانفتاحية والعودة والقطع عنها لضرورات المصلحة الوطنية.
ومع التوجه الليبرالي لتصفية مواقع قطاع الدولة وعدم الإصلاح الجدي ومع السياسات والتدابير التي طبقت تجاه القطاع العام وأدت لمزيد من مصاعبه واغتناء شرائح محدودة على حسابه من خلال آلية النهب القائمة ازدادت الاتهامات للقطاع العام مع الحديث عن عجزه وعدم قدرته وتأخره إلى أنه أصبح عبئاً وطنياً!!
ويتناسى بعضهم أن القوى المعادية للقطاع العام ولدور للدولة في الحياة الاقتصادية والإدارات الحكومية السابقة وأصحاب الثروات الجدد والمندمجين في الاقتصاد العالمي شكلوا حلفاً لمنع إصلاح القطاع العام واستنزافه تمهيداً لإعلان عدم الصلاحية وطرحه للبيع أو الاكتتاب العام أو للتصفية والمضاربة بالأراضي التي يملكها.
واليوم فإن القطاع العام وبما يمثله في مجال الصناعة التحويلية والاستخراجية وتوليد الكهرباء ومنشآت المياه ومؤسساته الخدمية في الصحة والتعليم وبقايا النقل الداخلي والجوي والمصارف العامة وغير وغيرها ورغم كل المصاعب والعراقيل والمحاربة يبقى رأسمالي الوطني الأكبر في البلاد ورب العمل الأكبر في البلاد وضمانة وطنية للمصالح الاقتصادية وركيزة كبرى للاستقرار الاجتماعي وضمانة سياسية بما يمثله وقاعدته الاجتماعية والعاملون فيه تقف لحماية المصالح الوطنية والاستقلال الوطني ولمجابهة العدوان الاستعماري وللحصار والعقوبات الاقتصادية.
وهو يشكل اليوم ليس عبئاً بل الأداة الأساسية مع القطاع الزراعي لمجابهة الحصار وتأمين مستلزمات وحاجيات البلاد وجماهير الشعب.
ونعتقد جازمين بأنه يجب أن يكون في أولويات السياسة الاقتصادية الحكومية هذا الأمر وان توضع البرامج العملية القابلة للتنفيذ في هذه الظروف لمعالجة مصاعب القطاع ووحداته الإنتاجية الفنية والإدارية وغيرها وتشغيله بإمكانياته الحالية مع تطويره تدريجياً.
الأمر لا يحتاج إلى تنظير ولا إلى لجان متعددة أو لمشاريع تارة تحاول أن تعطيه ميزات الشركات القابضة وتارة ترى في أزمته مشكلة صلاحيات إدارية ومرونة لا غير على أهميتها لكنها على أرض الواقع لا تحل مشكلة. القطاع العام يحتاج لإصلاح ولمعالجة أوضاعه ومصاعبه ليستمر وتزداد مساهمته وليس للهروب للأمام عبر الحديث عن الإصلاح ومشاريع إصلاح ورقية.
القطاع العام ضرورة وأولوية وطنية راهنة والانطلاق في معالجته يجب أن يكون من ذلك وأن توضع البرامج القابلة للتنفيذ من هذا المدخل والنظرة للقطاع العام ومن متطلبات المرحلة الراهنة ومن الواضع بأنه لا يمكن إصلاح القطاع العام فعلاً إن لم تكن تتوفر قناعة سياسية واضحة وإرادة سياسية بإصلاحه وإن لم يتم القطع نهائياً مع السياسات التي اتبعت تجاهه في مرحلة الخمسية العاشرة والقطع مع التفكير الاقتصادي الذي صاغ ونفذ عملية محاصرة دور الدولة والقطاع العام والتي أدت مع النهب المستمر لوضعه الحالي.
كما أن إصلاح القطاع العام يحتاج عملياً لتدابير في مجال «فكفكت» آلية النهب المنتشرة، ومن المعلوم أن دهاليز الروتين والقوانين والبيروقراطية وتعددها وتضاربها بيئة خصبة للفساد وللإثراء على حساب القطاع العام واستنزافه مضافاً إليها انعدام الرقابة الحقيقية وانعدام المسائلة والمحسوبيات والصلاحيات وبالتالي فإن مقياس الإصلاح في هذا المجال يكمن في إعطاء أوسع الصلاحيات والمرونة مع المحاسبة الشاملة على النتائج.
كما أن إصلاح أوضاع القطاع العام تقتضي دراسة المصاعب الفنية والتشغيلية لوحداته وإعادة الاعتبار للنظر للقطاع على أنه نسيج متكامل مع خصوصية أوضاع كل وحدة إنتاجية وتجديد خطوطه بشكل تدريجي ومتكامل وإدخال التحسينات الممكنة في ظروف اليوم على واقعه الفني وتلبية مطالب عماله.
نعتقد جازمين بأن الدور الوطني الذي لعبه القطاع العام في كافة مفاصله الخدمية والصناعية في مراحل انعطافية في تاريخ سورية المعاصر يمكن أن يقوم به في هذه الظروف والمطلوب توفير مقومات ذلك وإيجاد ما يلزم ليعمل قطاع الدولة في إطار تعددية اقتصادية إلى جانب المنتج الوطني في القطاع الخاص مع دعم الزراعة بشقيها الحيواني والنباتي وتأمين مستلزماتها وبأسعار مناسبة ووضع حد للغلاء وارتفاع الأسعار ولدور الوسيط والاغتناء على حساب الموقع، إن كل ذلك يؤمن قاعدة هامة للصمود الوطني ومتابعته.
ــ ــ
عمر كرم