مهنة المحاماة: بين النوايا الطيبّة والواقع المؤلم

طباعة


نسمع كثيراً ومنذ زمن عن مجموعة مشاريع خاصة بالارتقاء بالواقع القانوني (إن جاز التعبير)، تطوير المؤسسة القانونية من مؤسسة القضاء وكوادرها، ونقابة المحامين والعاملين في العدلية كافة، لكن أيضاً من النوايا الطيبة الكثيرة لم تتحقق إلا خطوات قليلة جيدة.
قبل أسبوعين تقريباً أقرّ مجلس الوزراء خطة وزارة العدل تجاه الإصلاح القضائي، وحسبما تسرّب من الخطة (لأنها مع الآسف ما زالت سرّية للغاية)، فإن وزارة العدل وضعت خطة ستكون عصرية تتناسب مع الإصلاحات الشاملة التي تشهدها سورية وخاصة فيما يتعلق بسرعة التقاضي، وإيجاد المقرّات المناسبة، وتوسيع المجمّعات القضائية وزيادة عدد غرف المحاكم وخاصة المدنية والجزائية، وتتضمن الخطة أيضاً (حسب التسريبات) زيادة عدد القضاة في المعهد القضائي بحيث يتناسب مع زيادة المحاكم لأن المؤسسة القضائية تعاني من نقص واضح في الكادر القضائي، وبالنسبة لهذه الخطة التي طال انتظارها، فيجب على الوزارة أن تستمع لاقتراحات نقابة المحامين باعتبارها تشكل العصب الحقيقي في عملية التقاضي، وأهمها تفعيل دور النقابة وفروعها في المحافظات، وتعديل بعض القوانين التي تشكل عقبة اتجاه العمل القضائي بحكم أن الروتين هو السيد المتحكم بالقضاء.
ويجب التنويه بالخطوة الحميدة «مرسوم خفض الرسوم القضائية والتأمين والنفقة القضائية» والذي خفف الأعباء على المواطنين وكرّس مبدأ الحق بالتقاضي بشكل واقعي ملموس وعملي، حيث وصلت نسب التخفيض إلى حدود /80%/.
وهذا المرسوم سيزيد من إقبال الناس إلى القضاء بعدما أصبح هناك عزوف كبير من قبل الناس عن التقاضي، لأن الكثير من المواطنين لا يستطيعون أن يحصلوا على حقوقهم عبر القضاء نتيجة (الارتفاع السابق) للرسوم القضائية، علماً أن الكثير من الحقوق سُلِبَت من أصحابها بسبب تخليهم عن دعواهم لعدم قدرة أصحابها على دفع الرسوم القضائية، وتحديداً كانت الدعاوى العقارية تشكل العبء الأكبر على المواطن نتيجة ارتفاع رسومها القضائية وخاصة فيما يتعلق بفرز العقارات وتثبيت الشراء والبيع، وبالتالي فقد جاء هذا المرسوم ملبيّاً لحاجة المواطن والمحامي والقاضي.
ومن ضمن المواضيع التي تحتاج لإعادة نظر ودراسة متأنية عميقة، مسألة تعاطي وزارة المالية ــ ممثلة بمديرياتها ــ في موضوع الضرائب المفروضة على دخول المحامين، حيث يفتقر هذا التعامل للعدالة الضريبية، وهذا بالضبط يشبه الضرائب المفروضة على المواطنين ــ محدودي الدخل ــ والتجار من حيث الظلم الضريبي، فمثلاً مديرية مالية دمشق لا تقوم بفرض الضرائب ضمن أصول العدالة الضريبية، لأنها ببساطة لم تأخذ بالحسبان عدد الوكالات التي يجب اعتمادها كأساس في التعامل مع المحامي الوكيل والموكل، فمديرية المالية أخذت في الحسبان لدى احتساب الضريبة تعامل المحامي مع الشركات والمؤسسات التجارية فقط، ممّا دفع موظفي مديرية المالية إلى فرض الضرائب ضمن الأهواء والمزاجية، وأيضاً تفرض مديرية المالية الضرائب بحسب القِدَمْ المهني للمحامي، علماً أن الواقع يؤكد أن حجم عمل كثير من المحامين يقل مع تقدمهم في العمر وقدمهم المهني، وأن نسبة المنتسبين لفرع نقابة دمشق من المحامين الشباب بلغت /95%/ ومعظمهم وأنا ــ منهم ــ نعاني من ظروف مادية سيئة ومديرية المالية لا تأخذ ذلك بعين الاعتبار، ويُضاف لذلك اجتهاد خاطئ من قبل وزارة المالية التي اعتبرت لدى تقديرها لضريبة المحامين أن جميع هؤلاء المحامين يتوكـّلون بالقضايا الجمركية والجنائية التي تشتهر بمردودها المالي المرتفع، ولذلك فرضت ضرائب باهظة على المحامين وفق هذا الأساس الخاطئ، علماً أن نسبة /85%/ (حسب تقديرات نقابة محامي دمشق) من محامي دمشق معظم الدعاوى التي يتوكـّلون بها إما شرعية أو صلحية ويمارسون المهنة في منازلهم لعدم قدرتهم حتى على استئجار مكتب.
إن مشروع الإصلاح القضائي يجب أن يكون شاملاً وجادّاً وسريعاً وشاملاً لعملية أتمتة الدعاوى والقضايا المعروضة على قصور العدل كافة، في المحافظات كافة، بحيث يتم تدوير الدعاوى بأقل من دقيقة على سبيل المثال لا الحصر، إضافة لتحويل الدعاوى من محافظة إلى محافظة ثانية بسرعة.
ورغم أهمية المرسوم الصادر والقاضي بتخفيض الرسوم والنفقات القضائية إلا أنه لا يمسّ جوهر إصلاح الجسم القضائي والذي ينخره الفساد في مفاصل عديدة منه، إن إعادة بناء الجهاز القضائي في البلد على أسس العدالة والنزاهة وبتر حالات الفساد كبيرة وصغيرة هو اللبنة الأساسية في بناء دولة عصرية حديثة تنصف أصحاب الحقوق وتكون حامية لباقي مؤسسات الدولة.

المحامي: عادل معصوم عمر

23 - شباط - 2012