الحملة الإعلامية المستعرة التي تستهدف إيران وسورية، من قبل محور واشنطن وتل أبيب وباريس ولندن وبرلين والدوحة والرياض، هذه الحملة المترافقة مع قرقعة اللجوء إلى القوة العسكرية وخاصة ضد إيران، فيما إذا دعت الحاجة لذلك، والحاجة الأمريكية الصهيونية العالمية، تغلف بالمخاوف من برنامج إيران النووي والتذرع بسعي إيران لامتلاك السلاح النووي بعد أن تمكنت من التوصل إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة /20%/ وهو الحد الفاصل بين رفع هذا المعدل إلى نسبة /90%/ الذي يسمح بإنتاج القنبلة النووية وبين الاستخدام السلمي للطاقة النووية، الذي لا يحتاج إلى أكثر من /3.5%/، ولكن الـ /20%/ توفر إمكانيات هائلة لإنتاج الطاقة والاستخدامات الأخرى، ولاسيما في مجال المعالجة الطبية.
وفي جميع الأحوال، ليست هناك مؤشرات حقيقية على نية إيران بإنتاج السلاح النووي، حتى أن العديد من المسؤولين الأمريكان أنفسهم اعترفوا بذلك علنا، بمن فيهم وزير الدفاع الأمريكية ليون بانيتا الذي قال: «إن إيران لا تـُصنع القنبلة النووية». ومع ذلك فقد هدد بإمكانية توجيه ضربة عسكرية لهذا البلد، الذي بات وجوده مقلقاً ومعرقلاً لجميع ما تحلم به واشنطن بوضع يدها وهيمنتها على المنطقة الشرق أوسطية وآسيا.
ولم تأخذ واشنطن بعين الاعتبار بأن تخصيب اليورانيوم الإيراني يتم بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي لم تؤكد يوماً الطابع العسكري لبرنامج إيران النووي، ولكن جل ما فعلته هو إبداء الهواجس من إمكانية عسكرة هذا البرنامج، وثمة العديد من المتابعين للنشاط النووي الإيراني، يؤكدون أن الوكالة الدولية للطاقة النووية متحكم بها من قبل واشنطن، لذلك فهي غير قادرة أن تبدي رأياً موضوعياً ومستقلاً عن رأي واشنطن، وكأن الكذبة التي صنعتها أمريكا حول أسلحة الدمار الشامل في العراق، تتكرر اليوم في إيران، رغم أن تكرار السيناريو العراقي في إيران احتمال غير وارد، على الأقل في المدى المنظور، نظراً للمأزق والأزمة التي تعيشهما الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيين في الوقت الحاضر، والتي أرغمتها، على إعادة النظر بإستراتيجيتها العسكرية العالمية، فتحت وقع الأزمة الاقتصادية والمالية، اضطرت الإمبريالية الأمريكية على تخفيض ميزانيتها العسكرية بحوالي /500/ مليار دولار، وتقليص نفقاتها الاجتماعية، ورفد جيش العاطلين عن العمل بأعداد هائلة لم يسبق لها مثيل بعد الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى وجود أكثر من خمسين مليون أمريكي يعيشون تحت خطة الفقر، وملايين الأطفال الأمريكان محرومون من تأمين الحليب اليومي وحتى الخدمات الطبية.
وبفعل الحماقة السياسية الأمريكية التي لم تفكر بحكمة، بقيامها بغزو العراق عام /2003/، كما سيلحق ذلك من نتائج كارثية على الغزاة الأمريكان، إلا أن الحماقة والغباء الأمريكي وغباء الرئيس بوش الصغير، دفع أمريكا لشن العدوان واحتلال العراق، فماذا كانت النتيجة؟ نفقات عسكرية هائلة دون جدوى، هزيمة نكراء للمحتلين الأمريكان بعد تسع سنوات من ارتكاب أفظع الجرائم بحق الشعب العراقي، وخسائر فادحة سياسية وعسكرية ومعنوية لأمريكا، لدرجة أن بعض الدبلوماسيين والخبراء الأمريكان يتحدثون اليوم، عن أن وضع أمريكا لكان أفضل لو بقي صدام حسين في السلطة، في حربها وعدائها المبدئي لإيران، وهذا ما تحاول اليوم استدراكه ولكن بعد فوات الأوان.
ووجد الأمريكيون أنفسهم أمام خيارات لمعالجة الأزمة القائمة مع إيران حول مجموعة من المعضلات وكلها معقدة لدرجة، أنه لم يتم التوافق على خيار محدد، فصقور الإدارة الأمريكية من الجمهوريين والديمقراطيين يفضلون اللجوء إلى القوة والقسوة لردع إيران وإجبارها على تغيير سياستها المناهضة لأمريكا والغرب وإسرائيل، وما يسمون بـ «الحكماء» يفضلون اعتماد التروي والحكمة واستخدام الضغط الاقتصادي وفرض العقوبات الأشد المالية والاقتصادية، وهذا ما بدأته إدارة أوباما بالفعل بقرارها مقاطعة التعامل مع البنك المركزي الإيراني، مما صعب جداً تحويل الأموال الأوروبية والعالمية لهذا البنك أي ثمن تصدير النفط الإيراني.
والخطورة الأخرى مقاطعة النفط الإيراني، والذي يمكن في حال تطبيقه بالكامل أن يدخل إيران في نفق أزمة اقتصادية قد لا تكون قاسية بالشكل الذي تتوخاه أمريكا، نظراً لوجود بدائل متاحة أمام إيران، إلا أنها، ستؤثر، دون شك، على اقتصاديات إيران، خاصة وأن العميل السعودي الذي زج نفسه علناً بالجوقة المعادية لإيران إلى جانب أمريكا وإسرائيل والغرب الإمبريالي، أعلن مباشرة على تعويض النفط الإيراني لكل الدول المقاطعة بما فيها الصين التي تستورد ما بين /11/ إلى /17%/ من احتياجاتها النفطية من إيران أو ما يعادل /550/ ألف برميل يومياً، والذي أبدت السعودية استعدادها لتعويضه، وكذلك الدول الأوروبية والآسيوية وغيرها، مما دفع إيران للتحذير من مغبة مثل هذه السياسة العدوانية الخليجية ضدها، وأنها مستعدة لإغلاق مضيق هرمز الذي تمر منه نحو /40%/ من صادرات النفط العالمي.
وحتى الهند أبلغت شركات التكرير بخفض واردات النفط الإيراني والبحث عن بدائل، إذ لا تسعى نيودلهي للحصول على استثناء لحماية مشتري النفط الإيراني من عقوبات أمريكية جديدة، خاصة بعد العقوبات التي فرضتها أمريكا على ثلاث شركات كبرى تتعامل مع النفط الإيراني منها شركة صينية. والهند ثاني أكبر مشترٍ للخام الإيراني بعد الصين حيث تستورد ما بين /350 و 400/ ألف برميل يومياً بما قيمته /12/ مليار دولار سنوياً. ووعدت واشنطن الهند بتعويض وارداتها النفطية من الخام السعودي في صفقة سنوية من المقرر بدء سريانها في نيسان القادم.
وتعول الإدارة الأمريكية على هذا النهج ضد إيران بإضعاف الاقتصاد الإيراني وخلق مشاكل داخلية، وتحريك عملائها في الداخل الإيراني، للانقضاض على النظام القائم الذي يقوده أحمدي نجاد. فالتهديد الخارجي حسب رأي العديد من أقطاب الإدارة الأمريكية يوحد الإيرانيين بينما الحرب الاقتصادية، قد ترهق النظام وتمكن أعدائه من التغلب عليه والحقيقة أن دعاة استخدام القوة ضد إيران، يتهمون من قبل الطرف الآخر، بأن أولئك الذين لم يتعلموا من الدرس العراقي، لا يأخذون بعين الاعتبار إمكانية حدوث فجوة كبيرة في الموازنة الأمريكية، في وقت تعمل فيه إدارة أوباما لضبط الإنفاق العسكري وضبط العجز وتنامي الدين العام. وبرأيهم أن إضعاف إيران اقتصادياً سيمنعها من السير قدماً في إنتاج السلاح النووي، بينما الفريق الأول يبدي تخوفه فيما إذا امتلكت إيران السلاح، فإنه سيشكل رادع مؤثر وفعال في شل قدرات إسرائيل وأمريكا، ومنعهما من استباحة المنطقة، مما يشكل خطراً جدياً وكبيراً على مصالح أمريكا النفطية وعلى نفوذها وأسواقها في هذه المنطقة الحيوية التي تنتج /80%/ من الإنتاج العالمي من النفط والغاز.
والمعضلة أن أمريكا وإسرائيل المرتعبتان من إمكانية امتلاك إيران السلاح النووي، الذي في حال حدوثه، سيشكل عاملاً حاسماً في ردع العدوانية الأمريكية والإسرائيلية، ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تقوم الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية باغتيال العلماء الإيرانيين النوويين، أملاً في إضعاف إيران وعدم تمكنها من امتلاك طاقة نووية هائلة بغض النظر عن طبيعتها، فإنها ستوفر لإيران قوة اقتصادية وعسكرية قادرة على لجم انفلات الوحوش الإمبرياليين والصهاينة الطامعين في الهيمنة على المنطقة والعالم.
ومما عزز الموقف الإيراني ومنحه زخماً قوياً، إعلان روسيا، «بأن المنطقة الممتدة من سورية إلى إيران ساحة واحدة تواجه هجمة أمريكية واحدة غايتها تغيير النظام في كلا البلدين. وقد أعلن نائب وزير الخارجية الروسي ديمتري روغوزين: «إن روسيا ستعتبر أي تدخل عسكري مرتبط بالبرنامج النووي الإيراني تهديداً لأمنها: «إيران جارة لنا، وإذا كانت إيران داخلة في إطار أي عمل عسكري، فهذا تهديد مباشر لأمننا» فالقادة الروس يزدادون ارتياباً من نيات أمريكا ومخططاتها المعادية لإيران وسورية، وكل تدخل بشؤونهما الداخلية سيشكل خطراً على مصالح وأمن روسيا وتهديداً للسلم العالمي».
د. إبراهيم زعير