مر عام على انتصار الثورة التونسية، التي أسقطت أحد عروش الديكتاتورية والعمالة والفساد في العالم العربي، وهي الثورة التي ألهمت الشعوب من المحيط إلى الخليج، وأكدت أن طريقاً آخر ممكن.
تميزت الثورة التونسية بقدرتها على الحشد والتنظيم منذ الأيام الأولى لاندلاعها وانتشارها في مختلف مناطق البلاد وصولاً إلى العاصمة، رغم القمع والإرهاب، واستندت في ذلك إلى الطبقة العاملة وقواها المنظمة من أحزاب ونقابات وهي التي تمرست بالنضال خلال عشرات السنوات، وخاضت نضالاً مشرفاً في انتفاضة الحوض المنجمي قبل انتصار الثورة بسنوات قليلة، واستندت الثورة أيضاً للفئات الوسطى المدينية وهي التي تميزت بالنضالات الحقوقية بما فيها الدفاع عن حقوق الإنسان وكشف الممارسات القمعية لنظام بن علي وطغمته، واستطاعت الطبقة العاملة والفئات الوسطى المدينية ضم جموع المهمشين من كادحي الريف والمدينة المفقرين إلى العملية الثورية وكان هؤلاء شرارة اندلاع الثورة.
واستندت الثورة في ديناميكياتها إلى حركة مطلبية متجذرة وذات تحركات ممنهجة ومنظمة لا تترفع عن الدفاع عن أي مطلب مهما صغر، وهذا ما ظهر جلياً في شعارات الثورة، تلك الشعارات التي تميزت بمضامين طبقية ذات آفاق برنامجية، من نمط «شغل، حرية، كرامة وطنية» و «التشغيل استحقاق يا عصابة السراق».
والتي تعكس مستوى عالياً من الوعي الطبقي بالربط بين الطبقي والوطني، وهو ما غاب أو غيّب عن باقي الثورات العربية التي سرعان ما دخلت في زواريب الديمقراطية وفقدان البوصلة وصولاً إلى إمكانية إضاعة الثورة، كما حصل في مصر واليمن تحديداً، حيث أصبحت الشعارات سياسية فقط تطالب برحيل النظام أو إسقاطه دون مضمون اقتصادي اجتماعي وهو ما أفسح المجال لقوى الثورة المضادة لقيادة هجومها المعاكس مبكراً.
وتميزت الثورة التونسية أيضاً بسرعة إنجاز مهمتها السياسية الأولى والأكبر وهي إسقاط زين العابدين بن علي وإجباره على الفرار من البلاد، وفي الوقت ذاته لم تركن جماهير الثورة لوعود العسكر وبقايا الطغمة الحاكمة وأعوانها السابقين. فاستمرت الاحتجاجات وصولاً إلى صدامات دامية غضّ عنها الإعلام البرجوازي ناظريه، واستطاع الشعب التونسي إسقاط عدد من الحكومات وفرض تأجيل الانتخابات لجمعية تأسيسية، وحل جهازي أمن الدولة والبوليس السياسي ومن ثم الحزب الحاكم، والإسراع في محاكمة بن علي وأعوانه، ولو غيابياً، وإصدار أحكام بالسجن لمدد طويلة تجاوزت الثلاثين عاماً على بن علي وزوجته.
لكن قوى الثورة المضادة استطاعت الاستيقاظ من صدمة النصر السريع للثورة ومن ثم تجميع قواها بالاستناد إلى عوامل ثلاث:
ــ الدعم الإمبريالي اللا محدود وخاصة من الإمبريالية الأوروبية ذات المرتكزات الاقتصادية الكبيرة، وبالاستفادة من الإمكانات اللوجستية للإمبريالية الأمريكية ذات الروابط الوثيقة بالمؤسسة العسكرية.
ــ قوى المعارضة الهامشية والتي استقر قادتها في كنف الدوائر الإمبريالية الأوروبية لعشرات السنين كاحتياطي لقوى الهيمنة يتم وضعه في الصراع وقت اللزوم، وجاء هذا الوقت عند خلع بن علي، وكنا قد اشرنا في («صوت الشعب» ــ العدد /255/ ــ /10/ شباط /2011/) إلى أنه يتم تحضير البدائل من ممثلي بعض منظمات حقوق الإنسان الذين يعيشون في كنف الإمبريالية الأوروبية وممثلي القوى الإسلاموية الذين كانوا يعيشون في كنف الإمبريالية البريطانية. وهذا ما ظهر في نتائج الانتخابات إلى الجمعية التأسيسية وحكومة المحاصصة بين هذه القوى وتقاسمها للمواقع القيادية في قمة هرم السلطة.
ــ وجاء الدعم المالي الخليجي لهذه القوى ليكمل مخطط الثورة المضادة، ودون هذا المال ما كان من الممكن اكتساح صناديق الاقتراع، بالاستناد إلى إفقار الجماهير واستغلال مشاعرها الدينية ضمن حملة منظمة تم فيها شراء أغلبية مقاعد الجمعية التأسيسية بالبترو ــ دولار.
وهكذا يعمل حكام تونس اليوم على تمرير سياسات اقتصادية اجتماعية لا تختلف البتة عن سياسات بن علي وطغمته، سياسات تعبر عن مصالح البرجوازية الكمبرادورية والاحتكارات الرأسمالية العالمية، ما أدى إلى ارتفاع المديونية الخارجية في موازنة /2012/ بنسبة /42%/ مقارنة مع /2011/ وبنسبة /222%/ مقارنة مع /2010/، وتستمر الأسعار في الارتفاع، وزاد عدد العاطلين عن العمل من /600/ ألف إلى أكثر من /800/ ألف. في وقت يتم إعفاء أصحاب المداخيل العالية والمستثمرين من الضرائب وتقدم لهم التسهيلات ويُغض النظر عن المتهربين ضريبياً، ويشير باحثون إلى أن حجم التهرب الضريبي يتجاوز /15/ مليار دينار.
أما على الصعيد الدستوري فتمت محاولة إفراغ الدستور المرتقب من أي مضمون يستجيب لأهداف الثورة، ومنها مطلب القوى التقدمية بتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو ما ترفضه، تلميحاً، حركة النهضة، فرع الأخوان المسلمين التونسي، فهؤلاء ممثلون مخلصون للبرجوازية الكمبرادورية والدوائر الإمبريالية العالمية، ويصرحون هنا وهناك أنهم ليسوا ضد قيام علاقات مع الكيان الصهيوني ناهيكم عن الحفاظ على الوضع التطبيعي معه أو خلقه.
من جهة أخرى يحاول الحكام الجدد تجريم الإضرابات المطلبية، وتحميل الطبقة العاملة والكادحين مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية، كما يستمر القمع المنظم بأشكال مختلفة سواء من الأجهزة القمعية للسلطة أو من خلال الميليشيات الإسلاموية التي تحاول فرض النموذج الرجعي الظلامي الذي شهدناه في أفغانستان وما زلنا نشاهده في المحميات الإمبريالية في الخليج العربي وخاصة مملكة القمع الوهابي وحصن الرجعية العربية.
لكن مخطط الثورة المضادة ليس كلي القدرة، ولم ينتصر بعد. وإن حقق عدداً من الانتصارات الجزئية، التي لم تـَرْقَ بعد إلى مستوى الإنجاز الثوري المتحقق في /14/ كانون الثاني /2011/.
ففي الجمعية التأسيسية استطاعت القوى التقدمية، بما فيها الشيوعيون، تحقيق اختراقات، والفوز بعدد لا بأس به من المقاعد، وهذا موقع هام سياسياً وإعلامياً، ويمكن الاستفادة منه في فضح ممارسات وقادة الثورة المضادة، وهو موقع يشكل أيضاً سنداً ومرتكزاً ومنبراً للحركة الجماهيرية.
في الوقت ذاته تستمر الحركة الجماهيرية وتكتسب زخماً جديداً بمختلف الأشكال، المطلبية والاحتجاجية والإضرابية والتنظيمية، وهذا هو المرتكز الأهم الذي يمكن البناء عليه والانطلاق منه في جولة جديدة من العملية الثورية الطويلة المدى، والتي تحتاج لبرودة الرأس ودفئ القلب ونظافة اليد، وهذا النموذج النضالي ليس غريباً عن الحركة النضالية للشعب التونسي وقواه الحية.
اليوم، تدير نشوة الانتصارات الانتخابية السهلة المتحققة بالبترو ــ دولار رؤوس حكام تونس الجدد، فيزيلون أقنعتهم ويكشرون عن أنيابهم.
اليوم، وبعد عام على انتصار الثورة، يثبت الشعب التونسي أن نشوة نصر /14/ كانون الثاني المجيد لم تدر رأسهُ ولم تدفعه لنسيان أهداف الثورة، فما زالت الحناجر تصدح في شوارع تونس «شغل، حرية، كرامة وطنية».
رشيد موسى