بين تصريحات الوزراء والمديرين واللجان من حماية المستهلك وغيرها، تزداد الأسواق المحلية ارتفاعاً في أسعار المواد كافة، بشكل جنوني أو حسب تعبير المسؤولين ــ ارتفاع غير مبّرر للأسعار ــ وكأن هناك ارتفاعاً مبّرراً وارتفاعاً غير مبّرر، وخلال جولة تفقدية للأسواق تكتشف بكل بساطة واقع الغلاء الفاحش الحقيقي: فارتفاع الأسعار شمل اللحوم الحمراء والأعلاف، وممّا يجدر ذكره أن ارتفاعات أسعار اللحوم الحمراء كانت تحصل في الماضي القريب عندما كان يتم فتح باب التصدير، إلا أن ارتفاع الأسعار اليوم حاصل في ظل وقف تصدير ذكور العواس وانخفاض معدّل استهلاك اللحوم الحمراء، فما السبب؟.
بقية المواد أيضاً ارتفعت بشكل كبير وضربت نشرات وزارة الاقتصاد عرض الحائط، فصحن البيض مسعّر على الورق ــ في الجرائد ــ بين: /170 ــ 190/ ليرة سورية، علماً أن السعر المتداول في السوق المحلية لمن لا يعلم يبلغ /250 ل.س/.
وفي هذا الواقع المؤلم للبيض والفروج، برز تصريح وزير الزراعة الذي أكد فيه على أن قيمة الصادرات السوري من مادتي البيض والفروج خلال عام /2010/ نحو /16/ مليار ليرة سورية، في حين وصل إنتاجنا من البيض إلى /4/ مليارات بيضة، وأوضح وزير الزراعة (أن الارتفاع الكبير في أسعار مادتي البيض والفروج ناتج عن عدة أسباب أهمها عزوف عدد لا بأس به من المرّبين عن العملية الإنتاجية، الأمر الذي أثر سلباً على توفر المنتج في الأسواق، وارتفاع أسعار المواد العلفية ومستلزمات التدفئة)، ولم يرسم لنا الوزير خارطة طريق لمستقبل أسعار البيض والفروج في السوق وهل سترتفع أسعارهما أكثر أم ستنخفض؟.
أما المواد الأساسية فلم تتخلف عن ركب الغلاء فسعر كغ من الرز وصلت بعض أنواعه إلى سعر قياسي مؤقتاً: /105 ل.س/، والسكر وصلت أسعاره إلى /60 ل.س/، وكذلك الخضر والفواكه، فما زال التاجر هو الحلقة الأقوى من الفلاح وأسعار الوزارة، ممّا يسبب أحياناً خسارة للمنتج أو ربح قليل جداً، وهنا تجب الإشارة إلى أن المشكلات الناجمة عن صعوبات النقل بين المحافظات بسبب الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد قد ضاعفت الأجور وساهمت في زيادة الأسعار أيضاً، ولا يمكن حل مشكلة الأسعار النارية إلا من خلال التسويق المباشر من مناطق الإنتاج إلى أسواق المدن والضواحي مباشرة دون المرور بأسواق الجملة في المحافظات المنتجة والمحافظات المستهلكة، وهذا الأمر يجب أن تقوم به الحكومة، فليس مقبولاً أن يباع كلغ البطاطا في أسواق الجملة بـ /15/ ليرة سورية، وفي البقاليات يباع بأكثر من /40/ ليرة سورية، فليس معقولاً ولا مقبولاً أن يكون فارق السعر بين مبيع الجملة والمفرق الضعف تماماً، علماً أن الأنظمة والقوانين ــ غير معمول بها ــ لا تسمح بنسبة ربح تزيد على /25%/ فقط لا غير؟! هذا للتذكير فقط.
وهنا نلاحظ غياب شبه كامل لدور اتحاد الفلاحين وغرف الزراعة في إيجاد آليات تسْويق جديدة تحفظ حق المنتج الزراعي والمواطن.
وطال الغلاء أيضاً أسعار الحشائش والأسماك، والمنظفات بأنواعها والدخان، والمتة التي أصبحت مادة شبه مفقودة من الأسواق.
وبالمقابل تشهد السوق السورية ارتفاعاً في أسعار الكهربائيات تلامس /100%/ ارتفاعاً، فطارت أسعار اللمبات ذات الطاقة التوفيرية من سعر /160 ل.س/ إلى سعر /400 ل.س/، في حين ارتفع سعر المولدة ذات الـ /1000/ شمعة إلى /6500/ ليرة سورية، بعد أن كانت قبل ثلاثة أشهر بالضبط بـ: /4000 ل.س/، وبسبب زيادة ساعات التقنين الكهربائي ونقص توفر مادتي المازوت والغاز والاحتكار الواضح للجميع، قفزت أسعار مصابيح الكاز ومادة الكاز والشمع والشواحن الكهربائية، والحطب، فمثلاً ارتفع سعر مصباح الكاز من /150/ ليرة سورية إلى /400/ ليرة سورية، أما مادة الشمع فقد تضاعف سعر مبيعها أيضاً، وارتفع سعر الطن من حطب الزيتون إلى /7000/ ليرة سورية، وحطب الكينا إلى /8000/ ليرة سورية.
وسط كل هذا الغلاء ما زلنا نسمع تفسيرات وتبريرات وتنظيرات وتقاذف للمسؤوليات بين حماية المستهلك وهيئة المنافسة ومنع الاحتكار وعجز الوزارة عن ضبط الأسعار وفق نشراتها الصادرة، ليبقى التاجر هو الرابح الأكبر، مع أننا ما زلنا نذكر صدور القانون رقم /7/ لعام /2008/، المتعلق بالمنافسة ومنع الاحتكار، والذي لم نلمس له تطبيقاً ناجحاً على أرض الواقع، في الوقت الذي نشاهد فيه شهية التجار ما زالت مفتوحة لرفع الأسعار أكثر.
وتبيّن التجربة التي نعيشها ــ وهي تجربة مرّة بالتأكيد ــ أن شعار وزارة الاقتصاد ومديرية حماية المستهلك ومديريات الاقتصاد والتجارة في المحافظات أن السوق تنظم نفسها بنفسها، وأن أسعار المواد الاستهلاكية خاضعة للعرض والطلب وبالتالي المنافسة الشريفة بين التجار ــ حَسَنَي النية ــ ستخفض الأسعار، قد فشل، وأن مقولة وزارة الاقتصاد ــ والتي خالفت كل علماء الاقتصاد في الشرق والغرب الراحلون والقادمون فيها ــ بأن سياسة تحرير الأسعار ستخفض أسعار المواد، علماً أن أي مبتدئ في دراسة علم الاقتصاد يعرف بأن: «سياسة تحرير الأسعار تعني ارتفاعها حُكـْماً».
الوزارة وأهلها في وادي والنار التي تكوي جيوبنا في وادي آخر، حتى أن بعض المتابعين للشأن الاقتصادي يرون بأن الزيادة الأخيرة في الرواتب والأجور قد امتصتها زيادة الأسعار الحاصلة.
طموحنا كمواطنين أن تبقى أسعار المواد الأساسية لحياة المواطن السوري عند هذا الحد، فإذا لم تستطع الحكومة ضبط الأسعار، فكحدّ أدنى أن تمنع ارتفاعها أكثر. ومن الهام في هذا المجال إعادة وزارة التموين والتجارة الداخلية إلى الساحة.
ــ ــ
أرنست عيسى