|
الحزب الشيوعي السوري - الموقع الرسمي للحزب الشيوعي السوري
|
صحيفة صوت الشعب > آراء
------------------------------ |
|
|
الرأسمالية تنزف دماً من كل مساماتها |
|
------------------------------------------------------- |
«صوت الشعب» العدد 210 (1704) 23 - 29 نيسان 2009
لقد كان حزبنا الشيوعي السوري سباقاً في تحليل الأزمة الدورية والشاملة التي يشهدها النظام الرأسمالي العالمي، هذه الأزمة التي تدفع باقتصادها نحو الهاوية وخاصة الاقتصاد الأمريكي.
حيث جاء في بلاغ اللجنة المركزية أيلول عام /2008/ ما يلي: «إن أهم عامل يحدد المعالم الأساسية للسياسة العالمية هو تعميق وتفاقم ملامح الأزمة الدورية التي يشهدها الاقتصاد الرأسمالي العالمي.
وأكد أيضاً، إن هذه الأزمة الاقتصادية الدورية بشموليتها وعمقها، وبالانهيارات الاقتصادية التي حصلت والتي ستحصل، إنما تدل على إفلاس النهج الليبرالي الاقتصادي على النطاق العالمي، هذا النهج الذي كان سائداً في العقود الأخيرة، والذي كان يروج له كحل سحري لكافة القضايا الاقتصادية ــ الاجتماعية، وكدافع أساسي للتنمية ــ وبأن هذه الأزمة ستكون أقسى وأشمل من أزمة عام /1929/».
هذه الأزمة التي نشاهد سلسلة الانهيارات في مصارفها وشركاتها هي جزء من أزمة اقتصادية أوسع وأشمل والتي بدأت تضرب مكونات البنية الاقتصادية للبلدان الرأسمالية وتدفعها نحو الكارثة الاقتصادية والتي قد تزعزع أسس وأركان هذا النظام، أو قد تدفع به نحو سلوك عدواني تجاه الشعوب.
هذه الأزمة التي أرعبت قادة النظام الرأسمالي ومنظريها وما تشكلها من تهديد لاقتصادهم واستقرارهم السياسي والاجتماعي، وأيضاً ما تشكله هذه الأزمة من فسحة للقوى العمالية والثورية منعطفاً لنضال الشعوب في سبيل دحر هذا النظام.
ورغم التضليل السياسي والإعلامي المبرمج لطمس جوهر هذه الأزمة وسعيهم لتجهيل الشعوب بأسبابها الحقيقية ولكن رغم ذلك فإن الشعوب وقواها الوطنية والتقدمية قادرة على إدراك حقيقة هذه الأزمة واستخلاص الدروس منها.
وقبل استعراض أسباب وتأثيرات الأزمة الحالية لابد من استعراض وبشكل موجز أسباب الأزمة عام /1929/ وأزمة ما يعرف بالنمور الآسيوية.
ــ أزمة عام /1929/ أو ما يعرف بأزمة الكساد الكبرى: كانت بسبب المضاربات في البورصات الأمريكية وخاصة بورصة الوول ستريت والارتفاع المصطنع للأسهم والسندات المالية وبسبب العرض المتزايد للسهم /19/ مليون سهم دفعة واحدة مما أدى إلى انهيار قيمة الأسهم في البورصة الأمريكية.
ومع استمرار هبوط قيمة الأسهم انتشرت الأزمة إلى كافة القطاعات الاقتصادية وإعلان البنوك والشركات إفلاسها مما أدى إلى ازدياد الكساد وضعف الاستثمارات وتراجع الصادرات المترافقة مع ازدياد العاطلين عن العمل وتدني الإنتاج الزراعي.
كما ساهمت هذه الأزمة باشتداد الصراع بين الدول الاستعمارية من أجل «مناطق النفوذ» وأيضاً ساهمت بخلق أنظمة رجعية وديكتاتورية وفاشية.
رغم انتشار هذه الأزمة إلى البلدان الصناعية الأخرى إلا أن الاتحاد السوفييتي لم يتأثر بها وذلك بفضل نظامه الاشتراكي.
ــ أزمة ما يسمى بالنمور الآسيوية: مع استكمال مؤسسات العولمة المالية والاقتصادية لليبرالية الجديدة في منتصف التسعينات ظهرت أولى بوادر الأزمة في بلدان «النمور الآسيوية» عام /1997/ والتي كانت إنذار بخطورة ما يجري على صعيد التحول نحو اقتصاد السوق الحر.
لقد كانت المضاربات السبب المباشر في خلق هذه الأزمة حيث قام الملياردير الصهيوني الأمريكي جورج سوروس باستثمار مبالغ ضخمة لشراء الأسهم والأوراق المالية والقيام بعملية بيع جماعي لهذه الأسهم والسندات المالية مما خلق انخفاضاً حاداً في قيمة الأسهم والأوراق المالية.
ثم عاد واشترى في اليوم الثاني هذه الأسهم والسندات وبسعر منخفض ثم قام بعملية بيع أخرى لهذه السندات والأسهم مما أدى إلى انهيار البورصات، هذا وقد منعت الدول الرأسمالية عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حكومات هذه البلدان ومصارفها المركزية من التدخل في حل هذه الأزمة.
ــ الأزمة الحالية: لقد كانت الأسباب المباشرة التي فجرت الأزمة الحالية التي ضربت الأسواق المالية والبورصات وإفلاس العديد من البنوك والشركات العقارية في أمريكا هي أزمة الرهن العقارية وذلك بسبب لجوء البنوك والشركات إلى منح القروض وبشكل غير مسبوق للمواطنين المترافق مع نمو في قطاع العقارات وتدني قيمة الفائدة وبسبب تهافت المستثمرين الرأسماليين وسعيهم من أجل الربح الفاحش. لكن مع تراجع النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة وتراجع أسعار العقارات من جهة، ومع زيادة البطالة وتدني القدرة الشرائية توقف المقترضون عن سداد ديونهم للبنوك وبالتالي وجدت البنوك أنها لا تستطيع بيع العقارات لاسترداد قيمة القروض لأن قيمة هذه العقارات، أصبحت أقل بكثير من قيمة القروض. والنتيجة، أن فقاعة القروض العقارية قد انفجرت.
ولكن الأسباب الجوهرية لهذه الأزمة تعود وبشكل كبير إلى آلية العمل في الأسواق والبورصات الأمريكية وإطلاق العنان للمضاربات المالية المترافق مع غياب دور الدولة ومراقبة مؤسساتها تكريساً لفلسفة حرية الأسواق بالإضافة إلى المشكلات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي والذي يعد من أكبر اقتصاديات العالم /14/ تريليون دولار.
كما ساهم في تفجر هذه الأزمة الارتفاع الكبير في الإنفاق الحكومي بسبب الموازنات العسكرية الضخمة /711/ مليار لعام /2008/ لتمويل حروبها ضد الشعوب، بالإضافة إلى عجز الميزان التجاري وتراجع الصادرات وعدم استقرار الفائدة وتراجع قيمة الدولار وازدياد الكساد وازدياد قيمة المشتقات البترولية والسلع الغذائية، وتغليب الاقتصاد المالي على الاقتصاد العيني، وتغليب مصالح القلة من الأغنياء على مصالح الطبقات الفقيرة، وتوسع في الإصدار النقدي دون غطاء حقيقي من الإنتاج.
لقد تحولت أمريكا إلى «إمبراطورية من الأوراق المالية» فكل النمو الاقتصادي الذي تحدث عنه الاقتصاديون في السنوات الأخيرة هو نمو في عالم المال والأوراق المالية والعملة. فليس هنالك أدنى دليل على أن الإنتاج العيني «الصناعي والزراعي والتقني» الأمريكي والبنية التحتية الأساسية لهذا الإنتاج في أي ازدهار أو نمو. وتراجعت أهمية القطاعات الإنتاجية والخدمية الحيوية، وأصبح تدوير الأموال في الأسهم والسندات والمشتقات المالية المبتكرة والمضاربات في المعادن والنفط يأتي في مقدمة الأنشطة الرأسمالية.
ومع الانهيار الكبير للاقتصاد الأمريكي ولاقتصاديات البلدان الرأسمالية ثبت فشل نظرية تقليص دور الدولة في الاقتصاد، ومنيت الليبرالية الجديدة بهزيمة نكراء، وليؤكد الرؤية الماركسية لطبيعة دورة الأزمات الاقتصادية في الرأسمالية.
وهناك العديد من الأسباب السياسية ساهمت أيضاً في تفاقم الأزمة الحالية والتي يحاول الإعلام الإمبريالي طمسها وعدم الخوض فيها هي:
1 ــ فشل السياسات الأمريكية في المنطقة وبشكل خاص في العراق وأفغانستان ولبنان.
2 ــ عودة روسيا إلى مسرح الأحداث الدولية وفشل الحلف الأطلسي في القوقاز وجورجيا.
3 ــ نهوض الحركات الوطنية واليسارية في أمريكا اللاتينية.
إن قيام الإدارة الأمريكية وتخصيصها لمبالغ فلكية في سبيل إنقاذ المصارف والشركات التي أعلنت إفلاسها أو التي ستفلس فإنها لن تستطيع وقف زحف هذه الأزمة وتداعياتها، هذه الأزمة والتي ما زالت في مراحلها الأولى والتي ستترك جرحاً عميقاً في جسد الاقتصاد الأمريكي واقتصاد البلدان الأوروبية والآسيوية والعديد من البلدان العربية مثل مصر ودول الخليج العربي.
إن ظاهرة الأزمات كانت وما زالت وستبقى حتمية للاقتصاد الرأسمالي، هذا الاقتصاد الذي يكرس مبدأ اللا مساواة وتعزيز الاستقطاب الطبقي بسبب طبيعته الطفيلية العفنة المبنية على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
وهذا ما يؤكد من جديد مقولة ماركس بأن التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الرئيسية سيولد الأزمات باستمرار.
إن هذه الأزمة ليست أزمة عابرة، ولا هي أزمة أمريكية، إنها أزمة الرأسمالية المتوحشة ونهجها الليبرالي الجديد.
وحسب تعبير الرفيق د. عمار بكداش فالأزمة الاقتصادية الدورية، كالتي نشهدها حالياً هي ظاهرة مرافقة للرأسمالية، ولن تنتهي إلا بانتهاء النظام الرأسمالي.
عبد الرحمن عثمان خليل
|
|
|
|
الحزب الشيوعي السوري - الموقع الرسمي للحزب الشيوعي السوري
|