|
الحزب الشيوعي السوري - الموقع الرسمي للحزب الشيوعي السوري
|
صحيفة صوت الشعب > آراء
------------------------------ |
|
|
قبل الدوحة .. وبعد الدوحة |
|
------------------------------------------------------- |
العدد 189 (1683) 5 ــ 12 تموز 2008
كانت المشكلة بالنسبة للإدارة الأمريكية في لبنان هي فراغ المنصب الرئاسي، لأن ذلك يجعل وضع الحكومة الواقعية اللبنانية شاذاً. أما الشذوذ الآخر في كونها موجودة رغم أنف المعارضة، التي تؤلف أغلبية الشعب اللبناني، فالإدارة الأمريكية ألغته بوصف الحكومة، أنها تمثل الأغلبية، وفرض هذا الوصف دولياً وإقليمياً.
وعملت الإدارة الأمريكية بأكثر من مخطط لخلق فتنة داخلية في لبنان تستوجب التدخل الخارجي، فلم تنجح. تم الانتصار بصعوبة وبثمن فلسطيني باهظ على فتنة نهر البارد التي خططت لها القوى الطائفية اللبنانية والإقليمية. أيضاً فشلت فتنة 7 أيار 2008 الكبيرة، التي كان مخططاً لها أن تصنع مجازر ضخمة، وأن تمتد طويلاً، كي تسمح بالتدخل الخارجي. وكان استعداد المعارضة كافياً لإجهاضها في يوم واحد، الأمر الذي لم يكن بيد الإدارة الأمريكية حيلة تجاهه. وكان المخرج العفوي، أو المدبر، لا يهم، هو جمع الأطراف اللبنانية في مؤتمر الدوحة ــ (16 أيار 2008)، الذي انتهى باتفاق على انتخاب الرئيس، وقانون انتخابي جديد، وحكومة وحدة وطنية. وبعد ما عاد المؤتمرون إلى لبنان في سلام ووئام، انتخب الرئيس، وانتهى الموضوع. كلف السيد السنيورة نفسه بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ولكنه لم يشكلها، ولا نعتقد أنه سيشكلها، بصرف النظر عن الأسباب والتفاصيل، وأيضاً لا إقرار لقانون انتخابي جديد.
إذن، استغل مؤتمر الدوحة فقط في تحقيق الهدف الأمريكي، الذي هو هدف دولي وإقليمي، ألا وهو انتخاب رئيس لبناني. الآن تستطيع حكومة السيد السنيورة المستقيلة نظرياً أن تمارس نشاطاتها كحكومة واقعية إلى أن تحصل ظروف جديدة.
ومهمة الحكومة اللبنانية الواقعية هي تسهيل مختلف المناورات الأمريكية ــ الإسرائيلية على المقاومة اللبنانية وسلاحها. وإشعال الفتن، كما يحدث في البقاع وغيره هو إحدى الوسائل المتكررة في تلك المناورات.
ربما المقاومة اللبنانية ستبقى صامدة في وجه مرتزقة الفتن، وأيضاً ستبقى صامدة عموماً على الصعيد الداخلي اللبناني، لكن المسألة ليست لبنانية فقط، وإنما دولية وشرق ــ أوسطية. لا ريب أن المقاومة لا تتخلى، ولن تتخلى، عن سلاحها، مهما تعددت المناورات، وربما المخابرات الدولية تعرف ذلك، أكثر من أي طرف آخر، ومن شأن هذه المعرفة، أن تجعل الطرف الدولي ييأس، ويترك لبنان وحاله.
لكن ليس الأمر كذلك. فسلاح المقاومة اللبنانية له شأن وثيق بالمخططات الأمريكية ــ الإسرائيلية في الهجوم على إيران، سواء في زمن الرئيس بوش أو بعدئذ. فبالنسبة للعسكرية الإسرائيلية، إيران، وجودها غير مقبول، ما دام لديها سلاح، حتى ولو تغير نظامها، الملف النووي كذبة دولية، وذريعة، المهم عدم وجود سلاح هام في المنطقة سوى السلاح الإسرائيلي، وكل ما عدا ذلك هو فقاعات إعلامية.
حكمت الإدارة الأمريكية على العراق بالإعدام بسبب سلاحه، والآن تحكم على إيران لنفس السبب، لكن لن تكون إيران سهلة، مثلما كانت العراق، رغم أنه لدى الإدارة الأمريكية في إيران وفي غيرها قوى مضادة للنظام، وربما هي مجندة حالياً للتخريب، ولارتكاب مختلف الجرائم في حق وطنها.
التفكير لدى الإدارة الأمريكية في العدوان على إيران، لابد من أن يترافق بموضوع العدوان على لبنان، أولاً، لأن لبنان بذاته هو طموح إسرائيلي منذ خمسينات القرن الماضي (مذكرات ليفي أشكول)، وثانياً، لأن المقاومة اللبنانية استطاعت أن تصد عدوان إسرائيل (تموز 2006)، وثالثاً، لأن المعركة ضد إيران يمكن أن تستجر معركة بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل.
هل التهدئة في غزة لها علاقة باقتراب موعد العدوان على إيران؟
يبدو أن الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية تعتبران المعركة مع إيران حاسمة إقليمياً على الأقل. فبعد نجاح منتظر أمريكياً في العدوان على إيران، لا تبقى في الشرق الأوسط أي عوائق تحول دون إقامة الشرق الأوسط الجديد، الشرق الأوسط المؤلف من بانتوستانات (مشيخات) طائفية وقبلية، تسيطر عليها العسكرية الأمريكية ــ الإسرائيلية، الشرق الأوسط، الذي تكون أوضاعه في أجزائه الممزقة المختلفة هي أسوأ بكثير من أوضاع العراق الحالية.
عسكرياً يمكن أن تأمل الإدارة الأمريكية بالنجاح في أي عدوان، لأن لديها ترسانة عسكرية مخيفة، وترسانة مالية وإعلامية أشد خطراً، وشعوب المنطقة عزلاء، ومحرومة من كل شيء، حتى من الإطلاع على مجرى الأمور. لكن الأمور ليست بهذه السهولة، وبهذه البساطة.
إن ردات الفعل الإقليمية والدولية لا تستطيع الإدارة الأمريكية حسابها بدقة، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بخيار الحياة أو الموت لشعوب بكاملها.
قد لا تحسب الإدارتان الأمريكية والإسرائيلية لأي شيء، يعرقل مخططات غزو المنطقة، ولذا يمكن توقع الكارثة في أي وقت، وربما لن يكون الاستعداد ولصد الكارثة كبيراً بسبب الهموم الطائفية، من جهة، والمعيشية من جهة أخرى. لكن يأمل المرء أن تتغير الأمور، مع الاكتشاف أن الكارثة تمس الجميع في كل خصوصياتهم.
محور الشر لن يفيده التأرجح بين «الشر» النضالي، و «الخير» الأمريكي، ومصلحته، ومستقبله هما في أن يتحول إلى «شر» نضالي حقيقي يستقطب شعوبه أولاً، ويستقطب شعوب المنطقة ثانياً. الخطر الكبير ولا منجى لمن تغضب عليه الإدارة الأمريكية، إلا بالمزيد من إغضابها. إن مرضاتها لا تتحقق لا بالكياسة، ولا بالمساعدة على تنفيذ بعض المخططات. بالعكس كل مخطط يساعد المرء في تنفيذه، ينفذ ضده، حتى لو كان المرء متحالفاً مع الإدارة الأمريكية. فالمساعدة في غزو العراق، مثلاً، أضرت، وتضر أكثر فأكثر بالبلدان الخليجية، التي تدفع الفواتير وتضعف قرارها السياسي وأمنها.
لبنان سيبقى طموحاً إسرائيلياً، كما كان منذ خمسينات القرن الماضي، وسيبقى هدفاً أمريكياً، إما كمقفز للعدوان على إيران، أو كميدان تجربة من أجل كسر المقاومة اللبنانية. والوسيلة من أجل ذلك تتألف على ما يبدو من ثلاثة أقانيم، الأول هو في العمل على رفع الشرعية عن المقاومة، داخلياً يجعلها ترفض الترتيبات المتعلقة بتشكيل الحكومة، وبدفعها على الرد على مختلف التوترات، التي تضع القوى الطائفية سيناريوهاتها، وبخلق تناقض بينها وبين الجيش اللبناني، الخ.
وخارجياً، الأمر سهل بواسطة جدعان الإدارات العربية إقليمياً والإدارات الأوروبية البليرية دولياً. والثاني إقحام اليونيفيل بجعله يصطدم، أو يوتر العلاقة بينه وبين المقاومة. والثالث العمل العسكري المباشر، المترافق مع تفعيل القوى الطائفية واليونيفيل.
هل تستطيع المقاومة صد كل ذلك؟ وهل ستكتفي الإدارة الأمريكية باستخدام الأسلحة التقليدية؟ وهل سيبقى الأمر محصوراً بلبنان، أم سيمتد مباشرة أو تدريجياً إلى كامل المنطقة؟ كل ذلك لا يستطيع المرء الإجابة عليه، ولكن الأوضاع سوف تكون كارثية.
العدوان الأمريكي أو الأمريكي ــ الإسرائيلي لن يكون مريحاً لأي من الإدارتين، ولن يستطيع الرئيس الأمريكي غالباً خلق هالة بريق حوله قبل مغادرته البيت الأبيض. سيدفع اللبنانيون، وربما سكان المنطقة، ثمناً باهظاً، ولكن ستدفع الإدارتان الأمريكية والإسرائيلية ثمناً لا بأس به أيضاً.
وإذا استطاع لبنان أن يستعيد سيادته الحقيقية في النهاية، فسيكون الشعب اللبناني هو الرابح، مهما كان الثمن.
المقاومة اللبنانية هي ضمان لسيادة لبنان، وستبقى كذلك.
محمد الجندي
|
|
|
|
الحزب الشيوعي السوري - الموقع الرسمي للحزب الشيوعي السوري
|