|
الحزب الشيوعي السوري - الموقع الرسمي للحزب الشيوعي السوري
|
صحيفة صوت الشعب > منوعات
----------------------------------- |
|
|
دردشات ثقافية.. نجمة ٌ .. تضيء وتضيء .. وتضيء |
|
------------------------------------------------------- |
صوت الشعب» العدد 219 (1713) 27 آب - 2 أيلول 2009
أعرف أن (أبا لهبٍ) لا يريد الموت ولا يريد أن يسافر معه إلى حدائقه السوداء .. ولكن ماذا يفعل حين يُفتتُ الحنين قلبه؟! وحين يقبضُ الشوق على روحه ويقودها كغزالة في صحراء نحو الذبح؟! هنا لا يستطيع (علي الجندي) إلا أن يرفع يديه مستسلماً كأسير حرب، ويلوّح برايته البيضاء .. والدمعة تقف قرب العين .. فالأصدقاء هناك في الحدائق السوداء ينتظرون .. كم ترجّاهم ألا يرحلوا ..؟! كم قال لممدوح يا ممدوح هناك زجاجات من الخمر لم نشربها بعد؟!
وقال لمحمود درويش .. يامحمود .. هناك بعد نساء جديرات بأن نرسل لهن أطواق الياسمين .. وقال لابن بلدته محمد الماغوط يا محمد ما زلنا طفلين .. فتعال نرضعُ من ثدي القصيدة..!!
«يا موتى قوموا من قاع الصمت .. ونادوني برجاء
يا موتى دقوا أجراس الليل على باب حدائقنا
غنوا في الفجر لنا، هبوا يا أصحاب الأجساد العظيمة
وتولوا حكم الأحياء»
لكن أحداً منهم لم يستمع له .. فاضطر أن يُغادرنا .. كما غادرونا ... راكباً قطار الغياب .. تاركاً لنا كل ثروته .. وكل ما يملك من قصائد وحكايات وطرف مجنونة وحب .. غادرنا «كسنونوة للضياء الأخير».
«وهأنذا عازم أن أغادر جحري/ وأبحثُ عن شرفة عالية
فأدعو إليها اليمامات .. ثم اليعاسيب/ تبني لها وطناً سقفه من زجاج
وأسواره القش والنار/ أبراجه في ارتفاع الزمان
تفيء إليها الطيورُ الغريبة ُ/ لمـّا تضللها الريحُ والفئة الباغية
وأسكنُ في جانبٍ/ أراقبها كي تحسّ الأمان
وتمنحني راحة ضافية ..».
علي الجندي .. الذي كان يرى في أن أجمل موسيقا يسمعها هي طرطقة حذاء نسائي على الرصيف وهو يسير في شوارع دمشق .. ويحنّ إلى عتابا الفنان الشعبي (صادق حديد)، رأيته ذات مرة يسيرُ شارداً في شارع حماة في مدينته (سلمية) فرآه قريبه الجالس في دكانه، الذي خرج مسرعاً يناديه: «يا أستاذ علي .. يا أستاذ علي» لكن علياً تجاهله، ومضى في طريقه فقلت في نفسي: «هل هو استعلاء المثقف؟!» كرّر صاحب الدكان النداء «يا أستاذ علي .. يا أستاذ علي» دون جدوى .. لكنه صاح أخيراً «يا علي ولك يا علي» فما كان من «أبي لهب» إلا وأن استدار عائداً ومسلماً وملامح الرضا تسكن وجهه فقال القريب: «يا رجل لماذا لا ترد» أجاب الشاعر: «يا أخي اسمي علي وليس الأستاذ علي!!!؟».
وكنت أراه في مطعم الشرفة التابع لاتحاد الكتاب يجالس وبشكل دائم الشاعر العراقي سعدي يوسف وفي حالات أخرى ينضمُ إليهما ممدوح عدوان وصدف أن التقيتهُ في المصعد ذات مرة .. فسألني فجأة وبدون سابق إنذار عن صلة القرابة التي تربطني بفلان .. وفلان هذا ناقد أدبي من مدينة الرقة، وواحد من المسؤولين في الاتحاد .. فقلت له: لا يقربني فأجابني .. لا يقربك .. واستغربت أسلوبه الجلف والقاسي فأوضحت له بأني فلان ومن مدينته وأني أعرفهُ كشاعر .. وفجأة تبدلت ملامحه القاسية إلى ملامح طفل ليسألني من يكون أبي وما هي صلة القرابة التي تربطني بمحمد الماغوط وحين رويت الحادثة لصديقي الذي كان يعمل آنذاك محاسباً في المطعم ليتابع دراسته الجامعية .. ضحك وقال لي مليح اللي ما ضربك..
فهو يكره هذا الناقد كثيراً وخصوصاً لأنه وصولي وانتهازي ولا يحترمه لا أدبياً ولا شخصاً.
هاتين الحادثتين إضافة لما يروى من حكايات وطرف عن علي الجندي إضافة لاسمه (أبو لهب) الذي يشكل ويعبر عن حالة تمرد وتحدي للسائد والعام كونوا ملامح عامة لهذه الشخصية البسيطة والواضحة ولكن المتمردة والكارهة لكل زيف والحزينة واليائسة في كثير من الأحيان .. بل والمهزومة أيضاً.
«تتوهج في عينيّ فجاءه/ ضحكة عربيد بومي
فأسارع أغمض أجفاني في قهرٍ/ أخنق قطعان دموعي/ أجعل من صمتي
للذلّ عباءة!/ وأسافر عبر سراديب عروقي/ ممتلئاً بحماس
الهرب إلى أرضٍ أخرى».
سُئل علي الجندي ذات مرة عن الجوائز .. فقال إنها لا تعنيه.
ولم يحلم بها قط .. لكن الجائزة الوحيدة التي يحترمها ويحلم بها هي جائزة لينين للسلم لأنها الجائزة الوحيدة الموضوعية.
وقال مرة ما معناه أن الشعوب في أوروبة الشرقية (الاشتراكية) تعلمت احترام الفن والفنانين خلال ستين عاماً على العكس من عندنا فهناك حين تعرّف صديقك إلى شاعر أو فنان فإنه ينحني له إنحناءة تعبر عن الاحترام أما عندنا فإنهم ينحنون أمام المتجبرين والمتسلطين في الوقت الذي يسخرون فيه من الشاعر والمثقف..!!
رحل (علي الجندي) وغاب عن الوجود كجسد .. لكني أراه هناك في السماء يضيء .. «بالرغم من الجنازة التي لا تليق بمبدع .. ولكن في زمان التعهر السياسي والثقافي .. يصبح عرس هيفاء وهبة أهم من رحيل علي الجندي...».
«أني، أني .. أني وحدي..
أني الآن/ أنا، أني .. أني .. شيء وضاء..!»
رحل (علي الجندي) .. لن تروه بعد اليوم يسيرُ بينكم على الأرض لن تصافحوه ولن تحادثوه وتمازحوه ... ولكن في كل ليلة..
انظروا هناك في البعيد البعيد .. أنظروا جيداً في سماء الخلود
سترون .. نجمة تضيء .. وتضيء .. وتضيء..
نضال الماغوط
|
|
|
|
الحزب الشيوعي السوري - الموقع الرسمي للحزب الشيوعي السوري
|