|
الحزب الشيوعي السوري - الموقع الرسمي للحزب الشيوعي السوري
|
صحيفة صوت الشعب > افتتاحيات صوت الشعب
---------------------------------------------------- |
|
|
الأزمة الراهنة ومهام الشيوعيين |
|
------------------------------------------------------- |
صوت الشعب» العدد 201 (1695) 18-24 كانون الأول 2008
د. عمار بكداش
مداخلة عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الرفيق الدكتور عمار بكداش في الاجتماع العالمي العاشر للأحزاب الشيوعية والعمالية، سان باولو /22/ تشرين الثاني عام /2008/.
أيها الرفاق الأعزاء!
اسمحوا لي بداية أن أتقدم بالشكر للحزب الشيوعي في البرازيل على جهوده المبذولة في تنظيم الاجتماع العالمي العاشر للأحزاب الشيوعية والعمالية. هذا الاجتماع الذي يجري في ظروف الأزمة الاقتصادية القاسية، التي تهز عالم الرأسمال واحتدام التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرتبطة معها، هذه التناقضات التي تمثل التناقض الأساسي لعالمنا المعاصر، ألا وهو التناقض بين العمل والرأسمال.
كل الدلائل تشير إلى أن الأزمة المندلعة هي عبارة عن أزمة فيض الإنتاج النمطية، والتي وصفها بدقة وبشكل صحيح كلاسيكيو الماركسية. أي أن السبب العميق لهذه الأزمة هو التناقض الأساسي للإنتاج الرأسمالي بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والشكل الرأسمالي الخاص للتملك.
تبين الأزمات الاقتصادية، وبشكل أكثر حدة، التناقض العميق للإنتاج الرأسمالي الذي يضطر كما يشير ماركس: «من جهة أن يطور القوى المنتجة وكأنها ليست عبارة عن إنتاج غير مقيد بقاعدته الاجتماعية، ومن ناحية ثانية لا يمكنه أن يطورها إلا ضمن هذه القيود.
إن هذا الواقع هو عبارة عن السبب الأعمق والجوهري للأزمات، للتناقضات التي تظهر في الإنتاج البرجوازي، والتي يسير هذا الإنتاج ضمنها، وهذه التناقضات، حتى من خلال نظرة سطحية غير معمقة، توصفه كشكل زائل تاريخياً».
إن هذا التناقض الأساسي والسبب الأساسي للأزمات يجد التعبير أيضاً من خلال عوامل مشتقة، مثل عفوية وفوضى عملية إعادة الإنتاج، وكذلك التناقض بين الإنتاج والاستهلاك، أي الخلل في تسويق المنتج الاجتماعي الإجمالي في المجتمع الرأسمالي، والذي يظهر بالتناقض بين الإنتاج والاستهلاك.
وبالنتيجة تظهر تلك الحالة التي جرى وصفها بدقة في «أنتي دهرنغ» لفريدريك أنجلس: «توسع الأسواق غير قادر على اللحاق بتوسع الإنتاج. يصبح التصادم حتمياً، وبما أنه لا يستطيع أن يحل التناقض لذلك الحين، عندما سيفجر أسلوب الإنتاج الرأسمالي ذاته، فإنه يأخذ شكل الدورية. ومن خلال الأزمات يظهر بقوة لا يمكن كبحها التناقض بين الإنتاج الاجتماعي والتملك الرأسمالي. وأسلوب الإنتاج يثور ضد أسلوب التبادل، وتثور القوى المنتجة ضد أسلوب الإنتاج، الذي تجاوزته».
وبالرغم كون الأزمة الحالية عبارة عن أزمة فيض الإنتاج النمطية بجوهرها، في الوقت نفسه فهي أقوى أزمة شهدها العالم منذ أزمة عام /1929 ــ 1933/. وحسب رأينا فإن هذه الظاهرة مرتبطة بكون أن هاتين الأزمتين اندلعتا في ظروف سيادة الأفكار والأساليب الليبرالية الاقتصادية في إدارة اقتصادات الدول الرأسمالية.
فالليبرالية في الاقتصاد هي مجموعة الآراء حول عمل الاقتصاد الرأسمالي ومبادئ السياسة الاقتصادية، الرافضة لضرورة تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية. إن هذه الظاهرة أصبحت مهيمنة، وبسبب عدة عوامل، على المراكز الإمبريالية العالمية في نهاية القرن الماضي. وجرى بلورتها بشكل «وفاق واشنطن» لعام /1989/، كما جرى السعي لفرضها على دول العالم الأخرى، بواسطة الأدوات الأساسية للإمبريالية العالمية ــ صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومن ثم منظمة التجارة العالمية.
أما ما يخص الدول النامية، فجرى فرض الشكل المتطرف لليبرالية عليها، من أجل تأمين خضوعها التام ونهبها من قبل الاحتكارات الإمبريالية. إن إملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي للدول النامية أو دول الأطراف، كما يجري تسميتها أيضاً، تجلت في تطبيقها للبنود التالية:
1 ــ زيادة دور الرأسمال الخاص وبالأخص الرأسمال الأجنبي في الحياة الاقتصادية للبلاد.
2 ــ تقليص دعم الدولة لحوامل الطاقة وللإنتاج الزراعي، لحد تصفية هذا الدعم.
3 ــ خصخصة القطاع العام (قطاع الدولة).
4 ــ تعويم العملة المحلية.
5 ــ فتح أبواب اقتصاد الدول النامية على مصراعيها لحركة الرساميل، من وإلى البلاد.
6 ــ تقليص استثمارات الدولة في المجال الإنتاجي، وصولاً إلى إيقافها التام.
7 ــ تجميد أجور الكادحين وعدم ربطها مع مستوى الأسعار.
8 ــ تقليص الإنفاق العام للدولة وخاصة في المجال الاجتماعي وتسريح عدد كبير من العاملين في الدولة.
ويجد الإملاء الليبرالي للرأسمال الاحتكاري ممرراً محلياً متجسداً بالبرجوازية الكومبرادورية، أي ذلك الجزء من البرجوازية المحلية، التي تتحقق مصالحها من خلال تمرير مصالح الاحتكارات الأجنبية على حساب المصالح الوطنية. وتدل التجربة على أن دول الأطراف التي نفذت كل وصفات الليبرالية الاقتصادية تقع في تبعية كاملة للرأسمال الأجنبي وتضعضع وتضعف بشكل كبير في تلك البلدان المجالات الإنتاجية وتتبع للخارج، ويجري فيها استقطاب طبقي لا سابق له، ويزداد فيها عدد المهمشين. كما يجري الانحطاط الأخلاقي للمجتمع.
تقع الليبرالية الاقتصادية بتناقض تناحري مع مفهوم الحرية في كل أبعادها: في مجال السيادة الوطنية وكذلك في مجال الحريات الديمقراطية والحقوق الاجتماعية.
في بداية التسعينيات من القرن العشرين أعلن فرنسيس فوكوياما معبراً عن مساعي الإمبريالية الأمريكية، عن «نهاية التاريخ» المتجلي في نموذج العولمة الأمريكية، أي عن الليبرالية الجديدة في الاقتصاد وعن المحافظة الجديدة في المجال السياسي والتي تصل لحد الفاشية الجديدة.
وقد أعلنت هذه المقولة على أنقاض المعسكر الاشتراكي. ولكن مر قليل من الزمن وبدأت تنهار مقولة العالم ذي القطب الأوحد، العالم الذي تسوده الإمبريالية الأمريكية ذات الشحنة الصهيونية القوية.
أما الأزمة الاقتصادية المعاصرة فوجهت ضربة قاسمة لكل الأسس المنهجية، ناهيك عن التطبيقات العملية للليبرالية الجديدة ــ هذا الإرهاب الاقتصادي الدولي الذي أدى بالاقتصادات الوطنية إلى الخراب وبالجماهير الكادحة إلى الإملاق.
تشير الماركسية ــ اللينينية إلى أن الرأسمالية يمكن أن تجد مخارج من أية أزمة، إذا لم تنوجد تلك القوة التي تستطيع إسقاطها استناداً إلى نتائج الأزمة، كما حصل أثناء ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى.
وتتجسد إحدى الوسائل للخروج من الأزمة بالفاشية وبشن الحروب العدوانية. وليس من الصدف أنه قامت، بعد أزمة /1929 ــ 1933/، أنظمة فاشية في عدة دول ومن بعد ذلك اندلعت الحرب العالمية الثانية.
وكما تبين أبحاث الباحثين الماركسيين، فالتجربة التاريخية في القرن العشرين تثبت بوضوح بأن البرجوازية الإمبريالية في مراحل معينة تلجأ إلى الأساليب الفاشية العدوانية بصفتها أداة لـ «ثورة مضادة استباقية». وهي تلجأ إلى ذلك خاصة حين يظهر خطر واقعي على السلطة المطلقة للرأسمال الاحتكاري.
وفي الوقت الحالي تتجلى النزعة الحربية العدوانية للإمبريالية الأمريكية التي تشن حروباً مباشرة كما هو الحال في أفغانستان والعراق أو تؤجج النزاعات من خلال الأنظمة التابعة لها والعملاء كما حدث ويحدث في القوقاز وأفريقيا.
إن هذه العدوانية للإمبريالية الأمريكية، مرتبطة بشكل كبير مع سعيها للحفاظ على مواقع مهيمنة في نهب شعوب العالم، في ضوء زيادة المنافسة من قبل المراكز الإمبريالية الأخرى. وترتبط بشكل وثيق لا ينفصم مع الإمبريالية الأمريكية، الصهيونية العالمية التي هي عبارة عن أيديولوجية وممارسة رجعية وعنصرية وذات توجه فاشي، والتي تمثل مصالح الرأسمال المالي اليهودي.
تثبت الجرائم الشنيعة التي ترتكبها الإمبريالية المعاصرة في دول ما يسمى بـ «العالم الثالث» وصف ماركس للنظام البرجوازي، عندما أشار إلى: «أن النفاق المطلق والهمجية الملازمين للحضارة البرجوازية يبقيان مخفيين أمام أعيننا، ولكن بانتقالهما من موطنهما حيث يبديان بشكل محترم، إلى المستعمرات، فهما يكشفان عن أنفسهما».
والأداة الأخرى، التي تستعمل بشكل واسع من قبل الرأسمال من أجل الخروج من الأزمة، تتجلى بالاشتراكية الديمقراطية. ففي زمن الأوضاع المتأزمة تكمن مهمة الاشتراكيين الديمقراطيين في محاولات طمس الظواهر الحادة للتناقض التناحري الطبقي بين الرأسمال الاحتكاري والجماهير الكادحة. وهذا يجري تحقيقه من خلال تمرير إصلاحات لا تمس أسس النظام الرأسمالي. أي أن الاشتراكيين الديمقراطيين يقومون بدور الأدوية المسكنة التي تعطى للمريض دون أن تعالج المرض بذاته.
فيتكلم الاشتراكيون الديمقراطيون عن حقوق كل الأقليات من القومية إلى الجنسية، ولكنهم يتهربون من التطرق إلى المسائل المرتبطة مع واقع الأكثرية، أي اضطهاد الجماهير الكادحة من قبل الطغمة المالية.
وكما يشير لينين: «عند حدوث أي أزمة ستساعد البرجوازية دوماً الانتهازيين بقمع الجزء الثوري من البروليتاريا، وهذا القمع لا يقف أمام أي شيء ويمارس بأساليب فاقدة للشرعية تماماً، بأساليب عسكرية».
كل دلائل تطور الأحداث تدل على أنه سيكون أمامنا احتدام الصراع بين العمل والرأسمال، بين الدول الإمبريالية وباقي شعوب العالم. ويجب أن تكون الأحزاب الشيوعية والعمالية على مستوى مهام هذا النضال. وهذا يتطلب أيضاً زيادة التضامن وتنسيق الأعمال بين كل فصائل الحركة الشيوعية العالمية تحت راية الأممية البروليتارية.
نحن ننظر بسرور إلى نجاحات تحرزها أحزاب شقيقة في نضالها الشاق والنبيل. وفي الوقت نفسه نحن نعلم أن هناك عدداً من الأحزاب وضعها غير مريح، وسبب ذلك يعود إلى سموم الانتهازية. فكما أشار لينين: «هناك توجه للإمبريالية في تقسيم العمال وتقوية الانتهازية بينهم، وخلق حالة التفسخ المؤقت للحركة العمالية». لذلك نحن ننطلق بشكل كامل من الرؤى الماركسية ــ اللينينية بأن النضال الناجح ضد الإمبريالية يتضافر بشكل وثيق مع النضال المستمر ضد الانتهازية والتحريفية.
الشيوعيون ليسوا وحدهم في نضالهم ضد الإمبريالية..
فهناك قوى متكاثرة تنتفض ضد السياسة الهمجية للإمبريالية المعاصرة. وتكمن مهمتنا في تقوية علاقات التحالف مع كل القوى المناهضة للإمبريالية. إن الشيوعيين السوريين يعملون بثبات من أجل تقوية وترسيخ الجبهة العالمية المناهضة للإمبريالية. وحزبنا يقوم بجهود مستمرة منهجية من أجل تقوية علاقات التحالف، في النضال ضد العدو المشترك، مع كل القوى المناهضة للإمبريالية، إن كان داخل وطننا أو في العالم العربي أو وعلى المستوى العالمي.
ويساهم الشيوعيون السوريون بنشاط في النضال الوطني المعادي للإمبريالية الذي يخوضه الشعب السوري، متصدياً للمخططات العدوانية والتوسعية للإمبريالية الأمريكية وإسرائيل الصهيونية ــ شعارنا: سورية لن تركع!
أيها الرفاق..
حالياً، أكثر من أي وقت مضى تظهر راهنية التنبؤ العبقري لكارل ماركس: «تصل مركزة وسائل الإنتاج والطابع الاجتماعي للعمل إلى تلك النقطة حيث تصبح غير متلائمة مع غلافها الرأسمالي الذي ينفجر. تدق ساعة نهاية الملكية الرأسمالية الخاصة. يجري نزع ملكية الناهبين».
في الحقبة التاريخية الراهنة، الثورة الاشتراكية هي ليست فقط مهمة اجتماعية ــ طبقية، بل إن طابعها الإنساني يظهر أكثر من أي وقت مضى. لأن المسألة موضوعة الآن كما يلي: إما الاشتراكية ... أو فناء البشرية.
ولكن شعوب العالم ستنتصر تحت الشعار العظيم: يا عمال العالم اتحدوا!
|
|
|
|
الحزب الشيوعي السوري - الموقع الرسمي للحزب الشيوعي السوري
|