الحزب الشيوعي السوري - الموقع الرسمي للحزب الشيوعي السوري
 
يا عمال العالم اتحدوا ..!
الحزب الشيوعي السوري
 

الدفاع عن الوطن و الدفاع عن لقمة الشعب .....سورية لن تركع .... وطن حر و شعب سعيد .... دعماً للصمود الوطني السوري قاطعوا البضائع و المصالح الأمريكية .... من أجل جبهة عالمية مناهضة للامبريالية .... اغضاب المستعمر أهون من ارضائه
الحزب الشيوعي السوري - الموقع الرسمي للحزب الشيوعي السوري
 
 
 
     

العدد الثقافي الأدبي الخاص 221 (1715) 1-7 تشرين الأول 2009

الصفحة الأولى

--------------------------------

خـالـد بكداش والأدب

رجل الأدب والياسمين

الزَّيدي حراً

دراما رمضان

حين يتعانق الفن بالواقع .. المناضل المغني الشيخ إمام

مهرجان فينيسيا السينمائي يكافئ مجرمي الحرب

«كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» لأريك ماريّا ريمارك

--------------------------------

خـالـد بكداش والأدب

قليلون هم الساسة الذين يخترقون حدود حقولهم السياسية، وذلك في انشغالهم باليومي وبشكل خاص عندما يكون السياسي في موقع لا يتيح له من الفراغ وعوامل المتابعة الشيء الكثير، وخالد بكداش هو واحد ومن هؤلاء الذين سجلوا هذا الاختراق لدائرة اهتماماته السياسية باتجاه عشقه للأدب وقراءاته له، والتأكيد على دوره وفاعليته الجمالية والاجتماعية ليغدو بذلك استثناء كما كان كذلك في السياسة والفكر أيضاً، فهو كما يعلم القاصي والداني أمضى جلّ أيامه في قيادة الحزب الشيوعي السوري يما يترتب على ذلك من مهام ومتابعات لا تسنح له هامش أو فائض وقت لكنه ومنذ سنوات شبابه سجل حالة نوعية من خلال مطالعاته الغزيرة في الأدب العربي والعالمي، وهذا ما شكل أحد العوامل الأساسية لغلبة النوعية الأدبية حتى على كتابات خالد بكداش السياسية وامتلاكه ذائقة أدبية وجمالية رفيعة.
فالملاحظة التي يمكن أن يسجلها أي قارئ لكتاباته أو حواراته هي اطلاعه الواسع على الأدب العربي قديمه وجديده ولاسيما الشعر من امرئ القيس وطرفة بن العبد وعمرو بن كلثوم وعنترة والمتبني والبحتري وأبي العلاء المعرّي مروراً برئيف خوري وأحمد شوقي والجواهري إلى نزار قباني وسعيد عقل وهذا الاطلاع أغنى قاموسه الأدبي وخزينته الجمالية من خلال الاستشهادات الأدبية الحارة في كتاباته السياسية.
فقد كان يردد باستمرار قول المتنبي:
وإن لم يكن من الموت بدّ فمن العجز أن تموت جباناً
وكثيراً ما استشهد في خطاباته السياسية بقول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقد كان شديد الولع بمعلقات الشعر العربي يحفظ الكثير منها عن ظهر قلب محباً وعاشقاً لشعر المتبني لأن شعره جزل، دسم وفيه رجولة.
والطريف أولاً أن خالد بكداش يستشهد من معلقة امرئ القيس في إحدى حواراته بهذا الغزل الجميل فيها:
أفاطم مهلاً، بعد هذا التدلل وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أغرّك مني أن حبك قاتلي وإنك مهما تأمري القلب يفعل
وهذا الاهتمام يعكس العمق الوجداني والإنساني لدى خالد بكداش
والطريف ثانياً أنه وبحس نقدي عال للأدب يحب الأدب من خلال تحقيقه لعنصر الفن والجمال فيه، والحكم عليه من خلال أدبيته. وهذا في ظني معيار نقدي لم ينتبه إليه الكثيرون وهو يسجل لخالد بكداش في مضمار فهم ماهية الفن وخصوصيته فالسياسي الكبير الذي تعنيه وتشغله قضايا السياسية أولاُ يعرب عن تقديره وحبه وحفظه أيضاً لشعر ثلاثة من الشعراء في العالم العربي بصرف النظر عن اهتماماتهم السياسية وهم: محمد مهدي الجواهري ــ نزار قباني ــ سعيد عقل.
القضية الأخرى التي تستوقف القارئ لكتابات خالد بكداش هي هذا الإيمان العميق برسالة الأديب في الحياة التي يرى فيها استكمالاً لرسالة السياسي.
بل أنه كان يشعر بفقر السياسة حين تخلو من الأدب، وبضعف السياسيين حين لا يكون إلى جوارهم أديب موهوب بحيث يقول في ذلك:
«لقد ظللنا طوال سنوات رغم سيرنا عدداً ونفوذاً وصلابة ونضجاً في صعود دائم نشعر بفقرنا، نشعر به أشد الشعور وأعمقه وآلمه، كنا نعرف مكسيم غوركي و رومان رولان وبرنارد شو وهنري باربوس هذه الأسماء التي يعتز بها رفاقنا في الغرب، كنا نقرأ عنهم فتمتلئ قلوبنا غبطة، ولكنها تفيض حسرة، كنا نريد لنا اسماً عربياً مثل هذه الأسماء يوطد ثقفتنا بقضيتنا، قضية الحرية والنور في شرقنا العربي» .
وأعتقد أن هذه الإشارة تلخص التقدير العالي لدور الأدب والأدباء في حياة الشعوب وفي معركة الحرية، لكن خالد بكداش لا يكتف هنا عند هذا الحد بل يذهب أبعد من ذلك في تقييمه للأديب حيث يرى أنه أكثر أهمية من أي مناضل سياسي فحين يأتي إلى عمر فاخوري زائراً له في مرضه يقول:
«الواحد منا نحن المناضلين السياسيين تمكن الاستعاضة عنه أما أنت فمن الصعب بل من المتعذر الاستعاضة عنك».
وشعوراً منه بهذه الأهمية لعمر فاخوري كتب مجموعة من الدراسات يحلل فيها بشكل رائع كتبه العديدة:«أديب في السوق» و«كيف ينهض العرب» و «الباب المرصود».
وغيرها ويتطرق لفترة الانعطاف في مسيرة فاخوري الأدبية والانتقال الشامل إلى صفوف الشعب.
الملاحظة الأخرى والأكثر أهمية هي امتلاك خالد بكداش حساً نقدياً مرهفاً وأدوات تحليل وجرأة في طرح مفاهيمه الخاصة لبعض القضايا الأدبية من خلال الإشارة إلى سلبيات فيها وهي تعكس في الحصاد الأخير استقلالية مبنية على امتلاك المرجعية الماركسية ــ اللينينية وهذا ما يبطل مفعول تلك القذائف الخلبية التي استهدفت خالد باطلاً بالتبعية وغيرها..
ففي تحليل له لقصة عصام الدين ناصيف«عاصفة فوق مصر».
والتي ظهرت في الثلاثينات وتناولتها أقلام النقاد بالمدح والثناء يقف فيه خالد بكداش على أكثر من مسألة في القصة ومنها قضايا فنية صرفة على علاقة بالصدق الفني ومسألة الإقناع في القصة وينتقد فيها هذا الانزياح للكاتب باتجاه تمجيد الإرهاب أو العمل الفردي لإشباع روح الانتقام التي تسيطر على الفلاح نتيجة الظلم ويؤكد أن استعادة الحقوق لا يمكن إلا بعمل جماعي واع ومنظم.
الجرأة التي تميز بها خالد بكداش في طرح قناعاته ورؤيته السياسية المشتقة من فهمه العميق للماركسيةــ اللينينية.
هي ما تميز بها في الوقوف من القضايا الأدبية أيضاً فقد سجل ملاحظاته على الواقعية الاشتراكية وقال عنها:
«إنها لم تكن موضوعية تماماً، يعني كانت تجري عندهم محاولة إظهار الجوانب الإيجابية فقط ويهملون الجوانب السلبية، كان من الضروري تناول الجانبين معاً» إن هذه الرؤية النقدية للواقعية الاشتراكية كما كانت تشكل سبقاً بل حالة ريادية تميز بها هو وحدهما في مواقفه السياسية من موضوعة حل الأحزاب الشيوعية وطريق التطور اللارأسمالي والبروسترويكا التي عارضها خالد بكداش وبذلك سجل فهمه و إخلاصه لمرجعيته الماركسية ــ اللينينية وافتراقه في الموقف منها عن الكثير من الأحزاب الشيوعية.
كما أنه امتلك رؤية طليعية وفهماً خاصاً فيما يتعلق بحرية الأديب فهو كما يقول «من أنصار الحرية الكاملة للأديب ولكن التصحيح ممكن إذا كان بعض المواقف السياسية غير صحيحة»
وكذلك«النقد أيضاً يجب أن يكون حراً»
من خلال هذا الفهم لحرية الأديب لم ير خالد بكداش من مبرر لمنع أعمال بوريس باسترناك في الاتحاد السوفييتي ويتساءل:
وهو يمتلك رؤية واضحة للعلاقة بين الشكل والمضمون في الأدب فهو لا يقف مع تسطيح الأدب لكن عنده:
«يجب أن يؤدي توجيه الأدب في النهاية إلى هدف»
خالد بكداش الذي قرأ وأحب الروائيين العالميين: موباسان ــ أميل زولا ــ بلزال ــ أندريه مالرو ــ مكسيم غوركي ــ دوستوفسكي ــ تشيخوف ــ تولستوي ــ هنري ترويا ــ تشارلز ديكنز ــ عبد القادر المازني ــ عمر الفاخوري ــ حنا مينه ــ فارس زرزور ــ عبد الرحمن منيف ــ نجيب محفوظ ــ يوسف إدريس ــ جورج أمادو.
آمن برسالة هؤلاء.. وامتلك فهماً لهذه الرسالة قلما امتلكه غيره من السياسيين فهو يرى أن أحسن المحسنين إلى البشرية فيما لاقته وملا تلاقيه من عذاب وآلام هم:
الموسيقيون والشعراء والروائيين والقصصيون.
لهذا«لو لم يكن خالد بكداش سياسياً لكن أدبياً».
كما تقول عنه الرفيقة وصال فرحة بكداش.
ولكل هذا وذاك أيضاً« سيظل خالد بكداش رمزاً أصيلاً ونبراساً يضيء الدرب للأجيال الصاعدة وكل المناضلين من أجل الحرية والتقدم» كما يقول عنه الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري.
 

خورشيد أحمد

--------------------------------

رجل الأدب والياسمين

« فصل من كتاب .. خالد بكداش يتحدث.. الذي أعده عماد نداف »

في شريط مسجل بصوته، وفي عيد ميلاده الستين، قال خالد بكداش بصوت جهوري قوي، إنه يحب الياسمين والفـُلّ والهرجاية، وهي من أزهار دمشق المعروفة، وذات الرائحة الطيبة!
ولمجرد سماعي لأسماء هذه الأزهار، قلت في نفسي: «إن هذا الرجل يحب دمشق!». وبالفعل وعندما سألته زوجته في هذا الشريط عن أحب البلدان إليه، رد بسرعة وقوة:
ــ وعزّ الشرق أوله دمشق!
ــ ومن هو الشخص الذي أثر في حياتك؟
ــ وصال فرحة بكداش!!
بهذه العفوية والصراحة، كان خالد بكداش الإنسان يتحدث في احتفال أسرته الصغيرة بعيد ميلاده.
وقالت لي السيدة وصال، إن زوجها، لو لم يكن سياسياً لكان أديباً! ولا أعرف ما الذي أغراني لأتصور فجأة أن خالد بكداش كتب رواية ما!
تنامت شخصيات الرواية في رأسي، وتسارعت أحداثها في أمكنة وهمية، وتحددت لغتها، فإذا هي رواية تتحدث عن: يشار كمال!
ومن يعرف يشار كمال، يمكن أن يعي جيداً مغزى تصوري هذا. إذ أنه كان أميناً عاماً للحزب الشيوعي التركي وكان أيضاً كاتباً روائياً بل إن حياته نفسها رواية ملحمية شيّقة!
إننا لا نستطيع أن نقسم التاريخ كما نشاء، فلا يمكن أن يكون كما نريده نحن، لا يمكن للتاريخ أن يكون إلا كما هو. أي أن خالد بكداش لا يمكن أن يكون إلا الأمين العام للحزب الشيوعي السوري!
كان البيت يعج بورشة عمل كبيرة، حيث أنهم يصورون فيلماً وثائقياً عن حياته، وهذا ما دفعهم إلى نقل درجة أهمية اللقاء معي إلى الدرجة الثانية. لولا خالد بكداش!
لقد رفض أي تبديل في الموعد. وقال لهم: عندما ينتهي اللقاء يبدأ التصوير. وكان كلامه هذا قراراً في صالحي!
وعلى هذا الأساس توقفت ورشة العمل الكبيرة في الصالون بانتظار حديثه معي! وعندما جاء، رأيته يرتدي طقمه الزيتي الغامق، ويتكئ على عصاه المزينة برسوم جميلة، ويحيي كل هذه الورشة ويتجه نحوي ليجلس في النهاية إلى جواري.
في هذه المرة، واجهته أنا بالصمت، وكان الجميع ينظرون إلينا باهتمام. تأملت تقاطيع وجهه طويلاً, ورحت أحسب المسافة التي تفصل بين حاجبيه وبين الحد الذي وصل عنده منبت الشعر في رأسه، كانت هذه المسافة تساوي ثلث وجهه المتطاول. وكان أبرز ما في هذا الوجه حاجباه الكثيفان اللذان يرسمان ملامح الحزم والصرامة في هذا الوجه الكردي الذي يطيب له أن ينتمي إلى العرب المستعربة. ولفت نظري أيضاً أنفه الأفطس، ذو الأرنبة العريضة التي تذكر بأنوف المصارعين الرومان، ومن تحتها ارتسم شاربان شائبان يزيدان صرامة الوجه الذي يفكر طويلاً قبل أن يتكلم.
ولم يكن خالد بكداش يتوقع أن أبدأ حديثي معه همساً، إلا أن كلماتي الأولى التي قلتها بصوت منخفض خففت من حدة صوت الحضور ليسمعوا ما أقول:
ــ قبل سنوات، كنا نرى الناس يتحلقون حول المذياع، نسمع حوارات حول الوحدة العربية وفلسطين حول الوطن والناصرية والبعثية والشيوعية.
والآن تفككت هذه الحلقات، صرنا نسمع الأصوات المتفرقة حول اليأس والجفاف ورائحة المستنقعات، حول الخبز واللقمة..
ما الذي حصل يا خالد بكداش، هل نحن في حالة جذر؟!
فأجاب بسرعة:
ــ الحديث عن المصاعب التي تلاقيها الجماهير معناه أن الشعب ليس في حالة جذر .. في نمو!
ــ أنا أختلف معك في هذا، النهوض هو حالة تحرك من أجل المطالب الوطنية والاجتماعية.
ــ نعم، إن الكلام هو بدء التحرك. يقولون: في البدء كانت الكلمة، الكلمة هي بدء الفعل!
ــ ولماذا تخف حدة الحديث في القضايا الوطنية والقومية؟ في الخمسينات والستينات كنا نرى الشارع يخرج برمته ليندد أو ليؤيد، أما الآن فقد انكفأ.
فقال بعد صمت:
ــ إن الجواب على هذا السؤال يعني: يجب توسيع الديمقراطية للجماهير الشعبية ولقواها الوطنية والتقدمية.
ــ ربما كان السبب في فشل هذه القوى.
ولم يعلق على كلامي هذا، فقلت:
ــ كان عدد أعضاء الحزب الشيوعي السوري في الخمسينيات يحصى بعشرات الألوف .. أما الآن؟!
ــ من الطبيعي جداً أن يكون النهوض الجماهيري واسعاً جداً عندما تكون القضية قضية نضال ضد المستعمر الأجنبي. أو ضد المخططات الأجنبية. أما الآن، فقد تغيرات الأساليب، هناك الاستعمار الجديد، غير الواضح .. مثلاً: عندما كنت طالباً، كنا نذهب يوم الجمعة مشياً إلى المهاجرين، نزهة يعني، وعندما كنا نرى جندياً إفرنسياً ماشياً أمامنا، كنا نتعوذ منه، وربما نفكر، إنه ذئب .. ونتساءل: ماذا يفعل هنا؟ الآن .. لا يحدث هذا! فدائماً النضال ضد الحكم الاستعماري المباشر أهون من النضال ضد الحكم الاستعماري الخفي. أعتقد أن هذه ظاهرة عالمية، وليست محلية فقط!
لقد أدركت الإمبريالية العالمية ماذا يجب أن تعمل، إنها تتحاشى الظهور بمظهر المتسلط. كذلك في الداخل فالبرجوازية الطفيلية غير مرئية، ولا تظهر على الساحة، وهذا أخطر! هذا هو السبب.
ــ إن الناس صاروا يكرهون السياسة، السياسة في العالم الثالث وبال. والمواطنون يبذلون جلّ وقتهم من أجل لقمة العيش في الوقت الذي يعيش فيه الآخرون برخاء.
سأقول لك شيئاً: إنني من الذين اتهموك بالانتهازية، وقلت ذات مرة: إن خالد بكداش لديه سيارة مرسيدس، ونسي هموم الجائعين، ولكني أحسست بالسعادة عندما قرأت أحاديثك عن الجوع .. والآن أسألك متى تنتهي كل هذه الأزمات؟!
ــ ستنتهي الأزمات والمصائب عندما تحقق الاشتراكية انتصارها على النطاق العالمي. أما في ظل وجود الإمبريالية والرأسمالية هنا وهناك, فستستمر المصاعب والمصائب.
ــ يقولون إن آثار مشاركتكم في الحكم قد برزت على أحوالكم الاقتصادية بمعنى: بيت .. سيارة .. دخل شهري .. هل أثرت هذه المستجدات على سياستكم؟
ــ لا أعتقد ذلك، سيارة مرسيدس أم سيارة طنبر .. المهم وسيلة نقل!!
ــ لماذا لم يصبح خالد بكداش وزيراً؟
ــ عندما بدأت العلاقات بين سورية والاتحاد السوفييتي كان جميل مردم يريدني سفيراً لسورية في الاتحاد السوفييتي! لقد رفضت ذلك رفضاً باتاً، وقلت لنفسي: يريد التخلص مني في سورية!
ــ يعني إذا سميت وزيراً، تكون النية هي الخلاص منك؟
ــ ذكرتني بعمتي، فذات مرة، قالت لي: إن شاء الله نراك وزيراً، فقلت لها: لماذا يا عمتي؟ أنا أكثر من وزير! فسألتني: كيف؟ فقلت: أمين عام الحزب الشيوعي .. هذه أكثر من وزير، ولكن لم يعجبها!!
وضحك خالد بكداش، فشاركته الضحك، ولكني قلت:
ــ لأنك الوحيد من بين الأمناء العامين لأحزاب الجبهة الذي لم يستلم منصب وزير! عبد الغني قنوت كان وزيراً، فوزي الكيالي مرّ بمنصب وزير. فايز إسماعيل .. الخ. إلا أنت، لم تكن عندك رغبة؟ أم أن هذه المسألة لم تعرض عليك؟؟
ـ رفاقنا وحزبي .. لو رشحت لوزارة لكانوا قبلوا كما أعتقد، ولكن أنا لم أفكر في هذا الموضوع بتاتاً.
* * *
ها هو الرجل الذي يحب الياسمين والفل، يتجاوب مع الأسئلة التي تتلاحق في ذهني .. ها هو يشعل سيكارته بأسلوب هادئ وأنيق بعد أن يدفعها بالمشرب الأسود، فيذكرني بإشعال سيكارة أنا الآخر من العلبة التي وضعوها أمامي.
قلت له:
ــ نحن الآن في لحظة تضاف للتاريخ .. من يدري، من سيعلق علينا بعد سنوات! أنا وأنت سنكون أمواتاً. والأطفال سيصبحون رجالاً .. نحن الآن في عام /1992/، هل كنت تتصور أن تعيش إلى مثل هذه الأيام؟!
فأجاب بصوت متعب:
ــ عندما كنت شاباً، وكنت أرى في الطريق رجلاً طاعناً في السن يسير على عصا. كنت أقول بين وبين نفسي: إن شاء الله لا أصل إلى هذا العمر، لكن لم يطلع في يدي. وصلت لها. وهي من الأخطاء التي ارتكبتها أنا في حياتي. عمري الآن في الثمانين، والذي صار صار. ما كنت أتصور أن أصل إلى هذا العمر!
كان جوابه على قد السؤال، ولكنه أشعرني بمرور الزمن ثمانين عاماً دفعة واحدة! تهدلت وجنتاه قليلاً، وتحول المشهد الذي أمامي إلى شيء آخر لا يتعلق بالعمل الذي أقوم فيه. إذ أن أمامي الآن حياة كاملة ينبغي النظر إليها بجملتها .. وعلى هذا الأساس سألته:
ــ يقولون إنك من أقدم الشيوعيين الذي بقوا أحياء في العالم ... أبوك حارب الفرنسيين كما قرأت عنه، وأنت من حاربت؟!
وعرف خالد بكداش ما الذي أرمي إليه، فبعد تلك الساعات الطويلة من الأسئلة والأجوبة .. من الحوار المتواصل يعود السؤال ليجمل كل شيء دفعة واحدة لقد شعرت أنا بفداحة السؤال. لا أعرف لماذا تمنيت لو أني لم أسأله هو والسؤال الذي قبله. وأحسست أن لحظة الصمت التي توقفها كانت أطول من كل المرات علماً أنها لم تصل إلى النصف دقيقة .. قال بعدها:
ــ أنا لم أحارب! لم أحمل السلاح! لقد ناضلت بقلمي وصوتي. مشيت مع الرفاق سنوات طويلة كما تعلمون. قبل أن أكون شيوعياً كنت طبعاً مثل جميع أبناء شعبي. كنت وطنياً حتى الآن. وسأظل شيوعياً حتى النفس الأخير! وعاد إلى صمته!!
قلت له:
ــ إذا اتفقنا على أن نسمي ما عشته حرباً، ماذا خسرت في هذه الحرب، وماذا ربحت؟!
على الرغم من قطع السؤال بتقديم الشاي مع قطع من الكاتو المنزلي، لم ينس السؤال، وأجاب:
ــ لم أخسر شيئاً، إذا كان ما لاقيناه من مشاق وصعوبات يعد خسارة، فلقد خسرنا خسارة كبيرة. أما إذا كان الوضع شعوراً بأننا نقدم بعض الواجب نحو شعبنا ووطننا فأنا ربحت في ذلك.
وضحك تلك الضحكة الدبلوماسية التي ذهبت الشيخوخة برونقها، وأنصت إلى ما قلته له:
ــ إن المحاربين عادة يحاصرون بدائرة الضوء، ودائرة الضوء تكشف ما خفي عن الناس. أنا أسألك، وأحاول أن أسلط الضوء على كل شيء في حياتك، كيف تقضي وقتك الآن؟
ــ أقضي وقتي كما يقضيه جميع عباد الله البسطاء، آكل، وأشرب .. أتنزه وأنام .. وأقرأ وأكتب وأفكر .. هكذا أقضي وقتي!
ألا تتفرج على الفيديو؟
ــ ليس عندي فيديو!
ــ طيب هل تغني؟
ــ عندما كنت شاباً كنت أدندن في بعض الأحيان.
ــ لمن؟
ــ كما يقول المازني، فأنا لا أملك ذلك الصوت المحتمل. ولكني كنت أدندن بيني وبين نفسي لمحمد عبد الوهاب وأم كلثوم .. لأسمهان.
ثم قال باستياء:
ـ أنا ليس عندي وقت كبير للغناء!
لكنه عاد واستدرك:
ــ وأحب فيروز.
ــ ومارسيل خليفة؟
ــ ربما مرة أو مرتين سمعت مارسيل خليفة لا أذكر!
ــ هل سمعت للشيخ إمام؟
ــ سمعت له بعض الأغاني، ولكن لا أذكر.
ــ هل تذهب إلى الصيد؟
ــ ذهبت عندما كنت شاباً عدة مرات.
ــ إذاً كنت تحب الصيد؟
ــ ومن لا يحب الصيد؟! خرجت مرة لصيد الغزلان في الصحراء فلم أوفق ولا بغزال، كان الغزال يهرب منا، يذهب إلى أمكان مليئة بالصخور والأحجار وكأنه يعرف أن السيارة لا تصل إلى هناك.
ــ مع من كنت تذهب إلى الصيد؟
ــ لي صديق سائق .. من أوائل الشيوعيين في دمشق، توفي الآن، أنا وهو وزعنا أول منشور. اسمه: أحمد ظاظا من الحي الذي نسكن فيه، ومرة أخرى ذهبنا إلى الصيد مع الأستاذ المحامي نجاة قصاب حسن، ونجاة قصاب حسن أطلق ولم يصب شيئاً!!
ــ الذي يذهب إلى الصيد يحب الفروسية.
ــ امتطيت الخيل في شبابي بين عسال الورد وتل فطايا لفترة قصيرة. عدة أشهر يعني.
ــ هل تحب السباحة؟
ــ أحب السباحة حتى الآن.
ــ أتذهب إلى المسبح الآن؟
ــ لا أذهب الآن، قبل سنتين ذهبت إلى المسبح! يوم الجمعة كنت أمضي ساعة أو ساعتين.
ــ هل تحب التجديف؟ الركوب في الزوارق والتجديف فيها؟
ــ جدفت، ولكن ليس كثيراً. كنت أفضل السباحة كثيراً في البحر. لقد سبحت في البحر الأسود. سبحت في اللاذقية، سبحت في كوريا الشمالية «المحيط الهادئ», سبحت في ايطاليا في نابولي.
لقد سبحت في كل البحور.
حتى في البحور الشعرية. لقد سمعت شريطاً مسجلاً بصوتك تتحدث فيه عن الشعر، وقلت إنك تحب المتنبي، لماذا تحب المتنبي؟
ــ لأن شعر المتنبي جزل، دسم، وفيه رجولة، إنه يقول:
وكل ما خلق الله ولم يخلق
مُحتـَقـَر في همتي كشعرة في مفرقي
لقد أعجبتني قصائد كثيرة للشاعر المتنبي، ومن جملتها قصيدته التي مطلعها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وعلى قدر الكرام تأتي المكارم
وفيها يقول عن سيف الدولة، كما أظن:
وقفتَ وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيلة
ووجهكَ وضاءٌ وثغرك باسم
ــ ومن تحب أيضاً من الشعراء القدماء؟
ــ إنني أحب الشعر العربي من امرئ القيس وإلى الآن. إنني أحب معلقة امرئ القيس التي يقول فيها :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسِقطِ اللوى بين الدَخول فحومل
ويقول فيها غزلاً جميلاُ:
أفاطمُ مهلاُ، بعد هذا التدلل
وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أغرك مني أن حبك قاتلي
وإنك مهما تأمري القلب يفعل
ويصف الحصان وصفاً جيداً:
مكر مفر مقبل مدبر معاً
كجلمود صخر حطه السيل من عل
ويعجبني من المعلقات أيضاُ، معلقة عمرو بن كلثوم:
ألا هبي بصحنك فأصبحينا
ولا تبقي خمور الأندرينا
مشعشعشة كأن الحص فيها
إذا ما الماء خالطها سخينا
ويقول فيها:
أبا هند فلا تعجل علينا
وأمهلنا نخبرك اليقينا
بأنا نورد الرايات بيضاُ
ونصدرهن حمرا قد روينا
ونشرب إذا وردنا الماء صفواً
ويشرب غيرنا كدراً وطينا
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
كما تعجبني أيضاً معلقة طرفة بن العبد،وهي جميلة جداً، يقول فيها:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
ومن جملتها هذا البيت الشعري المتداول حتى الآن:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على النفس من وقع الحسام المهند
تعجبني أيضاً معلقة عنترة:
هل غادر الشعراء من متردم
أم هل عرفت الدار بعد توهم
يا دار عبلة بالجوار تكلمي
وعمي صباحاً دار عبلة وأسملي
دار لآنسة غضيض طرفها
طوع العناق لذيذة المبسم
ومنها:
أعياك رسم الدار لم يتكلم
حتى تكلم كالأصم الأعجم
كما أحب أبا العلاء المعري، وقصيدته المشهورة:
غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك ولا ترنم شادي
أشبيه صوت النعي إذا ما قيس
بصوت البشير في كل نادي
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب
فأين القبور من عهد عاد
صاح خفف الوطء ما أظن
أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
ــ ومن تحب من الشعراء المعاصرين؟
ــ من الشعراء الأحياء أحب ثلاثة في العالم العربي بصرف النظر عن اهتماماتهم السياسية، أعرفهم، وأحفظ لهم، وهم: محمد مهدي الجواهري، نزار قباني، سعيد عقل. وهناك الشعراء الذين رحلوا: رئيف خوري وخصوصاً قصيدته: نشيد القافلة! ثم رضوان الشهال. لنستمع إلى ما يقوله رضوان الشهال عن لينين:
يقود خطاهم عبقري مخلد
كما لم تلد أم ولم ترو أعصر
كما أحفظ لولي الدين يكن:
هل عرفت الهوى الذي أخفيه
أي شيء من القلب لم تعلميه
هو مأواك منذ كان وهل
يحجب شيء في البيت عن ساكنيه
أيها القلب لست تقبل نصحاً
فتجرأ هذا الذي تبتغيه
قد كنت طفلاُ فيه وما زلت طفلاُ
وبنوه شابوا ونسل بنيه
وتعجبني سينية البحتري مطلعها:
صنت نفسي عما يدنس نفسي
وترفعت عن جدا كل جبس
وأذكر باستمرار أبيات أحمد شوقي التي وجهها إلى ثوار سورية عام /1925/، ومنها:
سلام من صبا بردى أرق
ودمع لا يكفكف يا دمشق
وللحرية الحمراء باب
بكل يد مضرجة يدق
ومنها:
دم الثوار تعرفه فرنسا
وتعلم أنه نور وحق
ونفى خالد بكداش أن يكون قد قرأ شعراُ لنزيه أبو عفش أو رياض الصالح الحسين. إلا أنه قال:
ــ لقد سمعت شعراً لمحمود درويش ومظفر النواب
بهذه الانسيابية الشفافة تحدث خالد بكداش عن علاقته بالشعر العربي وبرموزه. كانت بيوت الشعر تنساب من فمه بطلاقة وصوت جهوري جذاب. وعندما كنت أحاول مقاطعته كان يتابع الأبيات التي يحفظها، وكأنه يحتج على مقاطعتي ولذلك قال لي:
ــ لم أذكر كل شيء يتعلق بالشعر. ذكرت لكم بعض أشعار ولي الدين يكن. ولكن أشعار سعيد عقل لم أتحدث عنها. قصيدته عن الشام وغيرها. أتدري، لقد عمل سعيد عقل قصيدة عن النبي محمد، ولكنه لم ينشرها، كان سعيد عقل صديقي. تعرفت عليه في لبنان، وكنا نمشي سوية. ولا أخفيك لقد كان سعيد عقل معجباً بتوما الأكويني.
* * *
وها هو العاشق الذي يتفاخر بأن الشخص الذي أثر في حياته هي زوجته السيدة وصال .. ها هو يقسم أنها كانت حبه الوحيد. إن رجلاُ مثل خالد بكداش يستحق أن نسأله عن حبه للمرأة. ولذلك قلت له:
ــ لماذا لم تحك لي عن علاقاتك النسائية، هل كنت عاشقاً مثلاً؟!
ــ والله! أول حب جدي كان من أم عمار. نحن في حي واحد، والدها محمد علي فرحة هو خال أمي، يعني والدها أخو جدتي من أمي، تقربنا، تعارفنا .. إلى آخره.
بعد الخطبة وكلت أخي، الذي أصبح وكيلي في كتبة الكتاب، الذي تم في الشام دون أن أكون موجوداً. وعندما عادت أم عمار إلى بيروت قال لي: هذه المرة آتي إلى عندك مثل زوجتك. صار الكتاب في الشام.
وبعدها صار الزواج. الزواج تم في عهد سري، وحين كنت في بيروت جاءت أم عمار إلى بيروت عملنا حفلة زفاف في بيت سري، وسأروي لك نكتة، وإن شئت انشرها:
المحامي الكبير أدمون رباط دافع عني مرة في بيروت، كان يصعد إلى الجبل، ويترك بيته بحراسة رفيق شيوعي. اسمه: كريكور .. يسلمه المطبخ والمدخل. وكنت أنا وفرج الله الحلو ونقولا الشاوي وكريكور وأم عمار. عملنا حفلة. وهذا يعني أن التكريم الرسمي للزواج كان في المطبخ.
حكى القصة باسترسال، وهذا ما شجعني على متابعة الأسئلة حول هذا الموضوع. فقلت له:
ــ أنت تقول أن أول حب حقيقي كان مع أم عمار. هذا يعني أن هناك حب غير حقيقي! هل كان يوجد مثل ذلك في حياتك؟
فأجاب بلا مبالاة:
ــ وقعت بعض الصلات مع بعض الفتيات. لكن لم تؤد إلى نتيجة وزواج، يعني أنا كنت أحياناً لا أقترح الزواج وأحياناً، الفتيات كن لا يردن الزواج من شاب ملاحق لا يعرف وضعه،هذا صار!
ــ هل كانت هذه العلاقات رومانسية؟
ـ كانت تأخذ شكلاً رومانسياً!
ــ يعني بدون عمق في العلاقة؟
ــ بدون عمق.
وضحك الجميع، وضحك خالد بكداش بسعادة، إلا أن السيدة وصال ذكرته بقصة فتاة ارستقراطية، فأوضح القصة بقوله:
ــ أحبتني ابنة أحد الأغنياء. وكانت جميلة جداً، ولكني لم أتزوجها لأنها كانت ابنة غني، كان أبوها صاحبنا، وصديقاً للحزب.
ــ يعني أنك كنت تفصل بين عقلك ومشاعرك؟
ــ كان كل شيء عندي هو النضال الذي أمارسه، وأنا اعتقدت أن وضعها الطبقي يمكن أن يعطل نشاطي السياسي. لقد استمرت هذه العلاقة عدة أشهر.
ــ ماذا كان موقفها عندما رفضت الزواج منها؟
ــ هي كانت تريد أصلاً.
ــ لماذا لم تحاول سلخها عن طبقتها «تطليق طبقي يعني»؟
ــ هذا الشيء لم يحصل.
* * *
وانتقلنا إلى حديث شيق آخر. اكتشفت فيه جوانب أخرى من شخصية خالد بكداش. فهو قارئ ذكي وممتاز, ذكرني حديثه مباشرة بجورج أمادو الذي قال ذات مرة: إن السياسيين لا يقرؤون! فها هو خالد بكداش يقرأ بغزارة ... بل، ويحدث بشكل عميق عما يقرأه. قلت له:
ــ ليس لدى السياسي من وقت كاف ليقرأ كل شيء. وأنت أسمعتني شيئاً عن الشعر، وأخبرتني أنك تمضي وقتك بالقراءة أحياناً. قل لي ماذا تقرأ!
ــ أنا أقرأ باستمرار، وأتصفح، أقرأ مصادر الماركسية ــ اللينينية لماركس وانجلز ولينين. كما أقرأ قصصاً وروايات. وآخر ما قرأت كان رواية لأرنست هيمنغواي أسمها «وستشرق الشمس أيضاً» تجري أحداثها بين إسبانيا وفرنسا، وهذه الرواية لا بأس بها.
ــ لقد تطور الفكر الماركسي ــ اللينيني، بعد ماركس وانجلز ولينين ظهر غرامشي وتولياتي، ظهر التوسير وبولنتراس وآخرون. هل تابعت ما كتبه هؤلاء؟
ــ قرأت عن غرامشي، وقرأت أعمال ستالين، قرأت كتاب ستالين المعروف: «أسس اللينينية». وكتابه حول الماركسية والقضية الوطنية وقضية المستعمرات، هذا الكتاب الذي مدحه لينين. وقال عنه إنه مرجع هام من مراجع دراسة القضية الوطنية.
وفي هذا الكتاب يؤكد ستالين ما قاله لينين قبله أن اليهود لا يؤلفون لا أمة ولا شعباً وقد ترجمت أسس اللينينية إلى العربية، وكتاب الماركسية والمسألة القومية.
ــ عن أي لغة؟
ــ عن الفرنساوي
ــ وكم لغد تجيد؟ فرد مازحاً:
ــ العربية قليلاُ! وأضاف:
ــ الفرنساوية واللغة الروسية وأتكلم قليلاً من الكردية، ولكني لا أستطيع تقديم تقرير باللغة الكردية.
ــ ما هي أجمل كلمة لديك في اللغة الكردية؟
ــ خويبون، وتعني الاستقلال!
ــ وماذا تعني «آزاد» بالكردية؟
ــ آزاد تعني الحرية ... ما؟
ــ من تحب من الروائيين العالميين؟
موباسان ... الذي قال عنه غوركي: موباسان الكبير! وأميل زولا وبلزاك وأندريه مالرو الذي كتب قصته المشهورة: «الشرط الإنساني»، وهي قصة رائعة يصف فيها نضال الشيوعيين في الصين. ومن جملة ما جاء فيها أنهم كانوا يعتقلون الشيوعيين في الصين. ويعدمونهم بإلقائهم في مرجل القطار. وقد اعتقل ممثل الكومنترن في الصين، ومع رفيقان صينيان. كانوا خائفين من الموت حرقاً. أما هو، فكان يحمل حبة سيانور البوتاسيوم، وهذا سُم قاتل جداً. كان يملك حبتين. رأي الشابين خائفين كثيراً من المحرق، فأعطاهم الحبتين.وقال بينه وبين نفسه: افترض أنني مت بحريقة!
ــ لم تذكر مكسيم غوركي!
ـ قرأت له عدة قصص، وخصوصاً أذكر: الأم، وهي رواية مشهورة. وروايةٍ Suit de Crimette «ليالي القرم» وهي غير مترجمة للعربية. وأيضاً قرأت لديستويفكسي كثيراً. وأجمل عمل له هو: الأبله! أما أجمل عمل قرأته لتولستوي فهو الحرب والسلم. كذلك أحب قصص انطون تشيخوف القصيرة. لقد قرأت هنري ترويا على كبر، وأحببته. ومن الكتاب الإنكليز أحب تشارلز ديكنز وخصوصاً قصة مدينتين.
ــ قصة مدينتين لديكنز أثرت في جمال عبد الناصر. ودفعته إلى التفكير في الثورة. وأنت ما هي الرواية التي أثرت بك في هذا الاتجاه؟
ــ القصة التي لعبت دوراً في هذا الموضوع هي قصة: الأم لمكسيم غوركي، وبعدها قصة أميل زولا، جيرمينال والإضراب.
ــ إن ما ذكرته لي يشير إلى ولع ما لديك بالواقعية وجذورها. وصولاً إلى الواقعية الاشتراكية. هل تؤيد المدرسية الواقعية في الأدب؟
ــ الواقعية مدرسة هامة جداً! ولكني أيضاً لا أنسى الرومانسية. في الرومانسية أشياء جميلة أيضاً.
ــ هل ترى أن هناك أخطاء وقعت في المدرسة الواقعية الاشتراكية؟
ــ ربما .. أحياناً لم تكن موضوعية تماماً. يعني تجري عندهم محاولة لإظهار الجوانب الإيجابية فقط!
ــ مسألة البطل الإيجابي؟
ــ نعم ...و يهملون الجانب السلبي. كان من الضروري تناول الجانبين، ربما هنا ... عندهم أخطاء. ولكن وبشكل عام. المدرسة الواقعية الاشتراكية مدرسة جيدة في الأدب. وتخلق في نفس الإنسان الثقة بالمستقبل. وإمكانية زوال كل ما يعانيه الإنسان في المجتمع في المشاعر أو الفقر ... فتبدو له الدنيا كأفق مشرق!
ــ لقد تدخل لينين في رواية الأم لمكسيم غوركي، وطلب تعديل بعض المسائل في الرواية. أترى من الضروري أن يتدخل السياسي في الأدب؟
ــ أنا من أنصار الحرية الكاملة للأديب، نتركه وشأنه، ولكن التصحيح ممكن، إذا كانت هناك بعض المواقف السياسية غير صحيحة يمكن تصحيحيها، ولكن النقد أيضاً يجب أن يكون حراً!
ــ لقد فرض حظر على بوريس باسترناك في الاتحاد السوفييتي!
ــ في رواية دكتور زيفاكو يوجد تشويه كبير للأحداث. ولا يجوز أن يزور!
ــ ولكن أعماله منعت!
ــ لماذا منعت؟ لتبقى ويرد عليها.
ــ هل أنت مع تدخل الأديب في السياسية؟
ــ ولماذا لا يتدخل في السياسة؟! يتدخل كما يشاء.
ــ ألا يؤثر ذلك على القيمة الفنية للعمل الأدبي؟
ــ حسب هذا الإنتاج. المهم رأي الناس في هذا الأدب.
ــ هل أنت مع الأدب الذي يطرح الشعارات؟
ــ يجب أن يؤدي توجيه الأدب في النهاية إلى هدف.
ــ في البيان الشيوعي تم فرز الأدب على أساس طبقي. هذا يعني أنه ليس هناك من أدب محايد؟!
ــ إذا جئت لي بأدب محايد لقلت لك هل هو محايد أم لا. أنا أتساءل هل هناك أدب محايد!؟
ــ إذا سيبقى الأدب منحازاً إلى طبقة محددة.
ــ طبعاً.
ــ من الروائيين العرب من تحب؟
ــ يعجبني كثيراً عبد القادر المازني. ومن كتبه الهامة جداً: حصار الهشيم، وقبض الريح. وله قصص قصيرة: على الطريق. وروايتان: إبراهيم الكاتب، وإبراهيم الثاني.
يعجبني مثلاً عمر الفاخوري. لقد أهداني كتاباً أدبياً اسمه: الفصول الأربعة. وكتب عليه: إلى أخي خالد الذي يدلنا على الطريق. لقد أعتزيت كثيراً بهاتين الكلمتين.
لقد زرت عمر الفاخوري في بيته. عنده مكتبة كبيرة، فسألته: هل قرأت كل هذا. فقال: نعم، ولكن يبدو أنه يجب أن أقرأ من جديد!
وضحك خالد بكداش، ثم أضاف:
ــ عندما تعرف على الشيوعيين، أخذ تفكيره اتجاهاً معيناً لم يكن موجوداً عنده في السابق. وعندما توفي رثيته أنا. وقلت إنه كان عالماً قائماً بذاته. ومن جملة المسائل السابقة أن يقف الأديب أمام الباب المرصود، ويتساءل: من ترى سيفك الرصد؟ وعندما تعرف عمر الفاخوري على الشيوعيين وعلى الماركسية ــ اللينينية كأنما شعر بأن الرصد قد انفك!
ثم تأملني خالد بكداش، وكأنه يعتز بمعرفة عمر الفاخوري، وقد تأكدت هذه الحالة عنده عندما كررت عليه نفس السؤال، فوجدته يعرب عن هذا الاعتزاز بشكل مباشر. قال لي:
قرأت حنا مينه في الشراع والعاصفة، والثلج يأتي من النافذة، وهو كاتب جيد، وفارس زرزور في روايته لن تسقط المدينة التي تتكلم عن الاحتلال الفرنسي، وأنا أعرف فارس زرور وعبد الرحمن منيف بشكل شخصي. وعبد الرحمن منيف كاتب كفء.
كذلك أحب رواية نجيب محفوظ بين القصرين لأنها تؤرخ لمصر. وأحب يوسف إدريس وخصوصاً كتابه الذي يشبه كتاب مكسيم غوركي. وكتاب يوسف إدريس: قاع المدينة.
ــ ومحمد كامل الخطيب؟
ــ لم أقرأ له!
ــ سننتقل الآن إلى كاتب لم تتحدث عنه، إنه جورج أمادو. فتنهد خالد بكداش، وقال:
ــ جورج أمادو قرأت له كثيراً، ومعجب به جداً ... يكتب عن عمال الكاكاو، عن باهيا جميع القديسين، تعجبني كتابته عن الواقع، والمعلمية التي عرض بها هذا الواقع. إنه كاتب يُقرأ بلا ملل!
ــ لابد وأنك قرأت روايته: فارس الأمل.
ــ قرأتها...
ــ لماذا غنوا في بلاد الكاكاو للويس كارلسو برستس الأمين العام للحزب الشيوعي البرازيلي، ولم يغنوا لك في سورية؟
ــ لويس كارلوس برستس قام بأشياء لم يقيض لي القيام بها. كان برستس فارس الأمل, كان بالفعل فارساً, وقاد ثورة شعبية كبرى.
ــ يخطرني سؤال: لو أنك اعتقلت زمناً طويلاً، هل كان الأدباء سيكتبون عنك؟
ــ لا أدري!
ــ هل تتوقع أن تقرأ عملاً أدبياً عن حياتك السياسية، وأنت حي؟
ــ بالطبع، سأكون مسروراً إذا حدث ذلك، ولكني أعتقد أنني لم أصل بعد إلى هذا المستوى!
ــ لماذا تتواضع كثيراً؟
ــ الواقع! ولكنهم لا يقولون عني متواضعاً، يقولون إنني ديكتاتور!!
ــ في أكثر من مرة لاحظت أنكم تستشهدون في خطاباتكم بآيات قرآنية. لماذا تفعل ذلك؟
ــ لأنها منتشرة عند جماهير الشعب.
ــ هل حفظت القرآن الكريم؟
ــ حفظت أجزاء كبيرة منه. أتذكر، وعندما كان عمري خمس سنوات أو ست سنوات أرسلتني الوالدة لأتعلم القرآن عند الخجاتي(1)، وهناك درست القرآن وحفظت أشياء كثيرة ولا زلت أحفظها حتى الآن.
ــ ماذا تقول عن القرآن الكريم؟
ــ باعتقادي يجب على كل مناضل. على كل واع أن يقرأ القرآن!
ــ هل كان فكراً ثورياً؟
ــ كما قلت لك قبل قليل. حتى الآن نستشهد به في المناسبات العظيمة. ولقد قال علي بن أبي طالب: إن للفقير حقاً في مال الغني، فما اغتنى غنيٌ إلا بفقر فقير هذه بذرة لفكرة القيمة الزائدة التي كتبها ماركس.
ــ هل قرأت كتاب النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية للدكتور حسين مروة؟
ــ قرأت منه كثيراً؟. إنه كتاب جيد. وأرى أنه في رأس مهمات حزبنا وليس حزبنا فقط بل مهمات جميع التقدميين العرب، العمل الجاد لإحياء التراث التقدمي العربي، الذي جرت وما تزال تجري محاولات محمومة، ولكن فاشلة لطمسه ووأده وهو تراث غني جداً، يتمثل في أعمال فلاسفة عظام، أذكر منهم الآن اثنين هما أبو النصر الفارابي في كتابه «المدينة الفاضلة» والفيلسوف العربي الأندلسي ابن رشد صاحب كتاب «تهافت التهافت» الذي فند فيه آراء أبو حامد الغزالي في كتاب «تهافت الفلاسفة» وقد لعبت فلسفة ابن رشد دوراً هاماً كبيراً في أوروبا نفسها كما هو معروف حيث استمد منه الفلاسفة الأوروبيون الكثير الكثير من مفاهيمهم حتى أصبحت مذهباً اشتهر باسم «افيروهيزم».
ــ كلمتني عن الشيخ أحمد كفتارو، هل تلتقي باستمرار معه؟
ــ العلاقات ودية بيني وبينه شخصياً! كذلك يوجد زيارات بيني وبينه.
ــ قلت لي: إنه تقدمي. وأنا أسألك الآن عن الدور التقدمي للدين.
ــ يعني بإيجاز أن يكون ضد الإمبريالية. ويسعى لتحسين حالة الشعب المعاشية. المتدينون الذين يعملون من أجل ذلك يكونون تقدميين ... ومرة حكيت لأحمد كفتارو ومفتي الجمهورية أن لينين يقول إن التباين في الرأي بين الكادحين حول وجود أو عدم وجود جنة في السماء يجب أن لا يمنعهم من الاتحاد لبناء جنة لهم على الأرض.
هذا ما قلته، فقال لابنه: سجلها! ... سجلها!
ــ هل تشعر، وعندما تكون وحيداً أنك بحاجة إلى قراءة القرآن الكريم؟
ــ كما قلت لك، أول ما تعلمت تعلمت قراءة القرآن وكثيراً ما رجعت إليه، وأنا أستشهد به.
ــ سألتك عن القرآن الكريم لأن أحدهم، وهو رجل عادي، يعرف أنني ذاهب لمقابلتك. قال لي: أرجوك، اسأل خالد بكداش، هل سيؤمن بالله؟ ألم يمل بعد من البلاشفة؟ ألا يريد الذهاب إلى مكة؟ وأنا أحمل الأمانة، وأسألك نفس السؤال.
تأملني خالد بكداش طويلاً. وأشعل سيكارة جديدة، وسحب منها نفساً عميقاً، ثم قال:
ــ عندما كنت نائباً في مجلس النواب، أراد أحدهم أن يهاجمني بهذا الاتجاه، فأجبته: الدين لله، والوطن للجميع ... الدين لله، والوطن للجميع!
ــ وأنا ماذا أقول لهذا المواطن؟
ــ الدين لله، والوطن للجميع!!
وصمت خالد بكداش، ارتدى وجهه هالة وقار غريبة. ولم يلتفت إلي، رغم أنه في المرة الأولى أشعرني أنه تضايق مني. راقبته وهو يرمي رماد السيكارة بهدوء. كانت أصابعه نحيلة معرورقة لكنها كانت جميلة، تحيط بالسيكارة المتوهجة بنعومة ورقة.
قلت في نفسي: أيكون سؤالي تدخلاً في حياته الشخصية؟! لكنه أجابني دون أن يدع لي مجالاً أطول للتفكير:
ــ حزبنا لا يحاسب الإنسان على معتقده الديني، لا يسأل إنساناً يريد أن ينتمي إلى حزبنا، ما هو دينك؟ يسأله، ما هو اتجاهك؟ هل هو يعادي الإمبريالية والاستعمار؟ هل هو يعادي الإقطاعية والرأسمالية؟ هل هو مع الوطن؟ هل هو وطني؟!
وصمت خالد بكداش، وصمتُ أنا بدوري!
* * *
قلت له:
ــ هل تؤمن أن الماسونية تصنع الزعماء؟
فأجاب:
ــ وراء الماسونية تختفي أشياء كثيرة.
وأضاف:
ــ الصهيونية تحاول أن تلعب دوراً في كل الحركات. حتى إن الصهيونيين يحاولون لعب دور في حركتنا الشيوعية. ولذلك حاولوا الدخول في الماسونية.
ــ هل عرض عليك أن تكون ماسونياً؟
ــ يوجد لي صديق اسمه: خليل حورية. كان موظفاً في الدولة. وبزمانه قال لي: ما رأيك بدخول الماسونية؟ فرفضت! ولا أدري إذا ما دخل هو إليها ... لقد عرض عليّ فقط.
ــ ولماذا لم تدخل الماسونية؟
ــ لأني دخلت الحزب الشيوعي السوري. لأن الفكر الشيوعي متناقض تماماً مع الماسونية(2).
ــ هل تؤمن بالتحليل النفسي؟
ــ بسيكولوجيا ... هذا علم قائم بذاته، موجود، ويعطي بعض النتائج الإيجابية.
ــ هل تؤمن بالسحر؟
ــ لا.
ــ من تحب من الزعماء العرب المعاصرين؟
ــ لا أحب صدام حسين!
ــ لماذا لا تحب صدام حسين؟
ــ هذا السؤال لا يسأل! معروف لماذا! كل الناس يعرفون لماذا لا يحبون صدام حسين.
وأضاف:
ــ لأنه طاغية، ولأن اتجاهه الوطني غير سليم. مثلاً، تلك الفعلة التي فعلها مع الكويت، كانت خدمة مباشرة للإمبريالية العالمية، الحرب ضد إيران! إيران معنا. ضد الإمبريالية وضد الصهيونية. لماذا الحرب ضدها؟ لا مبرر لذلك.
ــ وهل كنت مع الائتلاف الدولي في هجومه ضد العراق إثر احتلاله للكويت؟
ــ نحن أيدنا موقف سورية!
* * *
وسألت خالد بكداش في نهاية الحديث:
ــ لماذا لم تكتب مذكراتك إلى الآن؟
ــ ربما لأنني مشغول، ليس عندي وثائق، لم أحفظ. يجب أن أعتمد فقط على الذاكرة وهذا لا يكفي.
ــ هل ستحاول ذلك؟
ــ لم أفكر بذلك!
ــ بقي لدي سؤال أخير: هل توافق على أن يكون ابنك الدكتور عمار بكداش أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوري من بعدك؟
ــ لم أفكر بهذا الموضوع بتاتاً!
ــ أخيراً ماذا تريد أن تقول؟
ــ إن أحسن المحسنين إلى البشرية فيما لاقته وما تلاقيه من عذاب وآلام هم:
أولاً: الموسيقيون من بيتهوفن وشتراوس وتشايكوفسكي وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وسيد درويش.
ثانياً: الشعراء: من بوشكين وبول ايلوار وأبو العلاء المعرّي والمتنبي وناظم حكمت إلى مهدي الجواهري ونزار قباني وسعيد عقل.
ثالثاً: الروائيون والقصصيون من دوستويفسكي وتولستوي ومكسيم غوركي وجورج امادو وموباسان إلى يوسف إدريس ونجيب محفوظ إلى المؤلف المجهول صاحب ألف ليلة وليلة.

(1) وهي سيدة تعلم الأطفال حفظ القرآن.
(2) يمنع قرار المؤتمر الثالث للكومنترن على كل شيوعي أن يكون ماسونياً.

--------------------------------

الزَّيدي حراً

تحية إلى المناضل منتظر الزيدي
بمناسبة تحريره من سجون عملاء الاحتلال

في مدينة ــ إيفس ــ اليونانية وفي حوالي العقد الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد، أقدم بائع السمك ــ هيروسترات ــ على إحراق معبد ــ أرتيميدا ــ في هذه المدينة، ويُحكى أن هذا المعبد قد استغرق بناؤه قرابة العشرين عاماً، على أيدي عشرات الألوف من عمال ومهندسين، وتقول إحصائية يونانية أن قرابة الألفين من العمال قضوا إبان إنجاز المعبد، ويقول من أرَّخوا لهذا الصرح المعماري العظيم أن أحفاد هوميروس وأسخيلوس وسواهما من عظماء الإغريق قد وضعوا عصارة فكرهم المعماري في التصميم الهندسي لهذا الأثر التاريخي العظيم ليكون الشاهد على حضارتهم.
وبعد إقدام المجرم ــ هيروسترات ــ على إضرام النار بالمعبد التي أكلت كل موجوداته وقتلت المئات فيه من المتعبدين، ترأس ــ كليون ــ قاضي قضاة مدينة إيفس المحكمة التي شُكلت لمحاكمة ــ هيروسترات ــ وسأل كليون المجرم عن الأسباب التي دفعته لارتكاب هذه الجريمة، أجاب ــ هيروسترات:
ــ بما أنني لم أؤت ما أوتي به العظماء من الداخلين في التاريخ، قررت إحراق هذا المعبد بعد أن رأيت حلماً في ليل أمس أن ــ أرتيميدا ــ مسكون بالشياطين مما يهدد أرواح اليونانيين والسفن التي تعبر بحر «مرمره(1)» وتبتاع أسماكي وهنا أدرك القاضي كليون أن هيروسترات ليس مجنوناً كما جاء في دفوع محاميته ــ كليمنتينا ــ زوجة حاكم «إيفس»، بل تيقن القاضي أن بائع السمك أقدم على ارتكاب جريمته وهو بكامل ملكاته العقلية والنفسية.
... وهنا، ألم يُقدم بوش أمريكا على إحراق العراق بمن فيها من بشر وآثار تحت كذبة ليس أوقح بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل مما يهدد حياة البشرية بالخطر؟ .. وحرصاً منه على أمن المعمورة كما أدعى حمل أغلظ عصيّ ديمقراطيته الصهيونية وأشاع الموت والدمار تحت هذه الذريعة المبتدعة بأكثر أوطان الدنيا حضارة وثقافة .. إذاً قرر ــ جورج بوش الابن أن يدخل التاريخ سفاحاً رهيباً متفوقاً على أبيه وعلى من سبقوه من عتاة طغاة. متوجاً جريمته بيد ربيبته إسرائيل عندما سحقت همجيتها بآلة فتكه عظام الأطفال وأمهاتهم في غزة فلسطين.
.. وبالعودة إلى أستاذه ــ هيروسترات ــ تساءلنا. ما العقاب الذي أنزلته محكمة ــ كليون بهيروسترات وقتذاك؟ .. فعلى حدّ علمنا أن القضاء الرسمي اليوناني لم يتمكن من تنفيذ عقوبة الإعدام بحق المجرم الذي تدخلت لحمايته أميرة ــ إيفس ــ كليمنتينا ــ وأسقط بيد القاضي الذي كان يلقب بالشمس في بلاده.
وبالمقارنة وربما بالمقاربة بين حذاء الصحفي العراقي منتظر الزيدي وتنفيذه لأعدل الأحكام بحق الرأس الهيروستراتية البوشية وبين ما يسمى بمحاكم العدل الدولية أو تحت أية مسميات جاءت من مجلس أمن دولي إلى ما هنالك، سنجد أن محاكم أحذية الشعوب أعدل بما لا يقاس من هذه المحاكم «القزلاء(2)» والنبراس كان أشجع أحذية هذا الزمان، حذاء منتظر الزيدي.
2 ــ حذاء منتظر..
وعذراً منتظر، إذ أسوق مقاربة بين حذائك ورأس بوش إذ لا تجوز المقاربة بحالٍ من الأحوال، فحذاؤك الذي انتظرناه طويلاً دخل التاريخ جسوراً مقداماً وعلى صهوة فضاء قاعة تحرسها الذئاب، بينما رأس بوش دخلت التاريخ مطأطئة مهانة مهزومة، وقد رأتها عيون الكون وهي تروغ عن التسديدة السهمية المُحكمة.
.. لا لم يكن الإعلامي البطل منتظر الزيدي هيروستراتياً أبداً، بل كان الثأر لعراقه يخترقه حتى مخ العظام إذا وجد لابدّ بلحظةٍ يعلن فيها لهذا العالم الرسمي المنحاز للمفترس ضد الفريسة، فالزيدي عقد العزم بكل فروسية المقاوم وبنكران ذاتٍ قلّ نظيره أن يقول للغازي المتغطرس إن حذائي من سيحاكم يا بوش رأسك الهيروستراتية.
وتشكلت يا للعار من الأذناب محكمة عراقية ــ وعذراً يا عراق السيّاب والنوّاب ــ ويجيب الحذاء، بعد أن أبى صاحبه الشجاع أن يجيب، وسلوك غريب حدث في القاعة...
.. حذاء الزيدي ينقلب على قفاه ويجاهر: إليكم سادتي القضاة مفصّل هويتي، أنا حذاء منتظر الزيدي، ولدت في اليوم الأول من غزو بوش أمريكا للعراق في حانوت حذاءٍ عراقيّ المطرقة والمخرز، ونمرتي تساوي عدد جنود بوش ودباباته ومن تدور رؤوسهم في فلك رأسه، واسمحوا لي أن أطلب من محكمتكم الموقرة أن تقوموا بإحصاء عدد شعرات فروة رأس سيدكم بوش لتضيفوها إلى محضر اعترافاتي، أقصد نمرتي، أما هوايتي، فهي الطيران بغير أجنحة نحو الرؤوس الجانحة، ويا لتعس حظي سادتي القضاة لم تتمكن شفاهي من تقبيل وجنتيّ الوجه الذي يممت نحوه، فقد راغت به رأس السيد الجمهوري ضيفكم بثعلبية بارعة، السادة القضاة إن ألمي الآن لا تشكل آلام أحذية الإنسانية نقطة في بحره، فأنا الحذاء المولع حدّ الدنف بتقبيل جباه الرؤوس التي لا تندى حياءً، ولكن لا بأس أيها السادة القضاة بما أننا دخلنا التاريخ معاً أنا حذاء منتظر الزيدي ورأس القاتل الهمجي المغتصب السيد بوش، أسجل احتجاجي هنا وأطلب من عدالة محكمتكم أن ترأفوا بحالي وتقبلوا اعتذاري ورفضي لإدراج اسم بوشكم بنفس الصفحة التي سترفعونها إلى السيد التاريخ. فليدخل هو من بوابة وأنا من بوابة أخرى، ووعداً مني إذا ما شاءت الصدف والتقينا في محفل ما، في قاعة ما، عند عمنا التاريخ سأبادر أنا حذاء الزيدي إلى المصالحة والتطبيع وأقفز إلى رأس بوش وانهال عليه لثماً وتقبيلاً لنحلـّق معاً في أجواء من الوله عاشقين أسطوريين...
ــ لغط في القاعة ــ طرق القاضي بمطرقته طرقتين واهنتين ... ثم وبشيء من الرعب، رفع القاضي الجلسة للاستراحة بعد أن شاهد هيئة محكمته يتلمسون رؤوسهم وكذلك فعل هو وغادروا القاعة للتداول.
 

مشهور خيزران
 

(1) ــ مرمره: الشاطئ الذي ولد على رماله ــ هوميروس ــ بحر مرمره.
(2) ــ القزلاء: العرجاء.

--------------------------------

دراما رمضان

حارات بأبواب وبلا أبواب ودراما الكآبة
غياب الكوميديا أخطر الأسئلة

هكذا صارت دورة الدراما التلفزيونية مرتبطة بضربة المدفع الأولى من رمضان، حيث يلوذ المواطن العربي المخنوق من الفقر والبؤس، وازدحام المدن المسورة بالعشوائيات ـ إحدى المواضيع الأثيرة لدراما 2009 ـ، والجوع والعطش الطويل وأخبار الحروب والمذابح، الى دراما تحاول أن تكون فعلا مهدئا لأوجاعه تهدهد أحلامه المتعبة حتى يغفو بعد نهار التعب الطويل دون أن يسعفه الوقت برؤية المسلسل الذي يعرض بعد منتصف الليل.. وربما يزوره في نومه بعض نجوم الدراما خاصة ممن تكررت ادوارهم ـ وتشابهت أحيانا ـ في أكثر من مسلسل يعرض قبل ساعة النوم القسري. . . .
وتاليا صار على الصحافة أن تلاحق هذا المهرجان الدرامي بمتابعة وتغطية، فتستنفر هي الأخرى، ويشحذ النقاد الدراميون والصحفيون وعشاق اللقاءات السريعة مع النجوم المفضلين لدى جمهور رمضان، يشحذون أقلامهم لإضاءة ما أمكن من زوايا معتمة في مراحل صناعة هذه الدراما ونقاط الضعف والقوة فيها، أو إثارة الغبار حول معارك وهمية أو دونكيشوتية بين صحفي يبحث عن خبطة وبين ممثل أو مخرج أو مؤلف أو منتج يبحث أيضا عن مزيد من الضوء، الأمر الذي حدا بأحد كتاب الدراما المهمين (فؤاد حميرة) بأن يكتب في ملحق الدراما بصحيفة تشرين: ارفعوا أقلامكم عن الدراما.
إنتاج أقل و«هجرة» مستمرة
من أول ما يلفت في رمضان هذا العام قلة الإنتاج الدرامي ونتحدث هنا عن الدراما السورية علما أن الدراما المصرية المنكفئة نسبيا والخليجية الضعيفة رغم جرعات المال الكبيرة لا تخرج كثيرا عن هذا السياق.
فكانت حصيلة الموسم 18 مسلسلا بعد أن كان بحدود 35 مسلسلا في الموسم الفائت، ويبدو أن تخفيف العدد ليس أمرا سلبيا لأن معظم الأعمال المنتجة هذا العام كان ذا سوية جيدة ولم نجد إلا القليل من الأعمال التي تثقل حركة الدراما السورية وتعطي انطباعا سيئا عنها مع تأكيدنا بأن الرديء لا بد أن يوجد على الأقل حتى يظهر الجيد.
لن نتحامل على احد إذا قلنا بأن ملك الرداءة في المسلسلات الرمضانية كانت أعمال الحارة الشامية وخاصة «باب الحارة4»،التي بدأت نضرة وأخاذة ولافتة لكن رأس المال الخليجي أراد استثمار هذه الفورة والإقبال اللافت من المشاهدين لتكلف المخرج بسام الملا بإعادة إنتاج نفس العمل بأسماء مختلفة وبحلقات لن تنتهي تذكر بالمسلسلات المكسيكية والتركية طالما أن قصص الكنة والحماية والضرّة بلا نهاية ورغم محاولة تطعيمها بصراع وطني ومحاكاة حصار غزة بحصار حارة الضبع فإن هذا لم يخرج العمل عن تجاريته ونمطيته القاتلة، كما لم يخرج مسلسل «الشام العدّية» وهو الجزء الثاني «بيت جدي» عن إيقاع باب الحارة والمسلسل الوحيد الذي يمكن اعتباره خارج السرب بالنسبة لتصوير تاريخ دمشق الحقيقي هو «الحصرم الشامي» تاليف فؤاد حميرة وإخراج سيف الدين سبيعي، ونحن محرومون من مشاهدة جزئه الثاني بفضل أوربت والتشفير لكن الجزء الأول الذي فك التشفير عنه وعرضته الـLBC في العام الفائت بدا مختلفا عن الأعمال الفلكلورية التي تحصر دمشق وتاريخها بشروال وشبرية وثلة «قبضايات» ونساء كالدجاج لا يصلحن إلا للوأوأة..
وبهذا الكم القليل نسبيا نستطيع القول إن الدراما السورية لم تتراجع بل فرضت نفسها بقوة أكبر ولا ينقص في الأمر ما اصطلح على تسميته بهجرة بعض نجوم وصانعي الدراما السورية باتجاه مصر فشارك الفنان جمال سليمان هذا العام ببطولة مسلسل «أفراح إبليس» إخراج: سامي محمد علي ـ تأليف: محمد صفاء عامر وأبدع فيه.
المخرجة الشابة رشا شربتجي أخرجت المسلسل المصري «ابن الأرندلي» من بطولة الفنان الكبير يحيى الفخراني مع وفاء عامرودلال عبد العزيز ومعالي زايد، وهذه هي المرة الثانية التي تخرج فيها رشا مسلسلا يلعب دور البطولة فيه الفخراني بعد مسلسل «شرف فتح الباب» من تأليف محمد جلال عبد القوي، وبطولة هالة فاخر، بثينة رشوان، وأحمد خليل الذي أخرجته رشا العام الفائت إضافة إلى مسلسل «أولاد الليل» من بطولة الفنان جمال سليمان.
الفنان باسم ياخور كان من بين النجوم السوريين الذين أثروا الدراما المصرية بمشاركتهم وذلك في مسلسل «حرب الجواسيس» من إخراج المخضرم نادر جلال وتأليف: صالح مرسي ـ سيناريو: بشير الديك وشاركه في البطولة: هشام سليم، و شريف سلامة.
وفي مسلسل «أنا قلبي دليلي» عن حياة الفنانة الراحلة ليلى مراد تشارك الفنانة صفاء سلطان في دور البطولة إلى جانب أحمد راتب، عزت أبو عوف، أحمد فلوكس، عبد الرحمن أبو زهرة وعبد العزيز مخيون، والعمل من تأليف صالح مرسي وسيناريو وحوار مجدي صابر وإخراج محمد زهير وترك انطباعاً جيداً من المهتمين بهذا النوع من الدراما، والذي برز منه في العام الفائت مسلسل «أسمهان» من بطولة الفنانة سلاف فواخرجي وإخراج شوقي الماجري.
المخرج باسل الخطيب وقع هذا العام على عمل مصري بعنوان «أدهم الشرقاوي»..
دراما الكآبة . . .دراما العشوائيات
وهي أيضاً من المصطلحات التي درجت في هذا الموسم تعليقاً على اتجاه بعض الأعمال الدرامية السورية نحو تصوير زوايا مظلمة في الواقع الاجتماعي السوري وبجرأة لافتة أحياناً، فيتناول مسلسل شتاء ساخن تأليف: فؤاد حميرة إخراج فراس دهني وبطولة: عباس النوري، باسم ياخور، سامية الجزائري ورنا الأبيض عن عالم الجريمة وتداخل العلاقات بين المجرمين والوسط الاجتماعي ويلامس بحذر مطلوب حالات الشذوذ الجنسي والاجتماعي .
أما «طريق النحل» من إخراج: أحمد إبراهيم أحمد ـوتأليف: عبد المجيد حيدر، جهاد أسعد محمد، رائد وحش وقيس مصطفى، وبطولة: نسرين طافش، صباح الجزائري، خالد تاجا، جهاد سعد، وآخرين .فيتناول حياة أنثى تتقاذفها مطامع الآخرين من أهل وأبناء القرية بعد مقتل زوجها فتضطر للهجرة إلى دمشق لتبدأ حياة جديدة.
«قاع المدينة» هو نموذج آخر من دراما العشوائيات التي بدأت بشكل واضح مع مسلسل «بكره أحلى» لمحمد أوسو حيث كانت أحياء حزام الفقر المحيطة بالمدن الكبرى شبه غائبة قبله عن الدراما السورية، وتلاه مسلسل «غزلان في غابة الذئاب» لرشا شربتجي والثنائي حسن سامي يوسف ونجيب نصير اللذين كتبا هذا العام ولنفس المخرجة «زمن العار» وهو يستحق وقفة خاصة.
«قاع المدينة» قصة وسيناريو وحوار محمد العاص وإخراج سمير حسين وبطولة: أيمن زيدان ـ باسم ياخور ـ غسان مسعود ـ خالد تاجا ـ منى واصف تدور أحداثه في «الشارع الخلفي» حيث العيون الجائعة المترصدة لحركة أنثى هي ضحية الأب والمجتمع والشارع أيضا.
الهم الوطني والتاريخ
لم تغب القضايا الوطنية عن مسلسلات رمضان هذا العام وحضرت القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي في عدة أعمال منها: «رجال الحسم» لنجدت أنزور وتأليف فايز بشير ولعب أدوار البطولة فيه: باسل خياط، منى واصف، مايا نصري، فايز قزق ونادين نجيم، ومشهور خيزران. وهو مثل كل أعمال المخرج يعتمد على الإبهار البصري بالدرجة الأولى وتصوير المعارك والجاسوسية، ويتناول رحلة شاب جولاني في عمق الموساد الإسرائيلي بعدما فقد أمه وأخاه في عدوان حزيران عام 1967. إذ يقرر الانتقام عبر تنفيذ عملية استشهادية في الأراضي المحتلة لكن الظروف تحول دون تحقيق ذلك.
العمل الآخر الذي يتناول القضية الفلسطينية من الداخل هو «سفر الحجارة» تأليف هاني السعدي وإخراج يوسف رزق وهو يشكو من ضعف درامي يتجلى في تصوير شخصية الفدائي السوبرمان الذي تجاوزته الأعمال الإبداعية مهما كانت قابلية الموضوع الذي يتناوله العمل الفني وما يحمل من قيم بطولة وفداء ومن دخول في جدلية الاحتلال والمقاومة.
مسلسل «الدوامة» للمخرج المثنى صبح عن رواية الضغينة والهوى لفواز حداد وسيناريو وحوار الراحل ممدوح عدوان وبطولة: باسل خياط وسلوم حداد ومنى واصف وحسن عويتي يتناول فترة الخمسينيات من تاريخ سورية السياسي، والتي تميزت بالتكالب الاستعماري على سورية موقعا وثروات وخاصة الثروة النفطية التي كانت في بدايات اكتشافها، ودور أجهزة المخابرات الغربية والجوار اللبناني في محاولة إيجاد منافذ للقوى الاستعمارية والصراعات السياسية الداخلية في سورية زمن الانقلابات والحراك الديمقراطي الذي سبق قيام وحدة عبدالناصر دون الوقوع في مطب الوثائقية بل يدخل الخيال في حكاية حب ونضال وصراع من اجل الوطن.
أما العمل «السياسي» الأهم فهو مسلسل هدوء نسبي للروائي خالد خليفة والمخرج شوقي الماجري وبطولة عابد فهد ونادين سلامة وسعيد الآغا والمصرية نيللي كريم واللبناني بيير داغر، وقد بلغ عدد شخصيات المسلسل 273 شخصية استطاع المؤلف والمخرج السيطرة إلى حد كبير على إيقاع العمل الدرامي ومحاولة إعطاء الموضوع الكبير والشائك ـ سقوط بغداد ـ حقه من خلال مجموعة من الصحفيين العرب تقوم بتغطية وقائع الغزو وما قبله وما بعده، وتحضر المفاصل الاساسية لتلك الفترة العصيبة من تاريخ العراق (استبداد النظام وتعامله الفظ مع رجال الفكر والاعلام ـ وحشية الاحتلال ـ نهب المتاحف والمنشآت ـ سجن أبو غريب ـ قتل الصحفيين واعتقالهم . . .. ) وستكون لنا وقفة أطول مع هذا المسلسل.
غياب الكوميديا . . .الأخطر
ليس من خطر نراه على الدراما السورية سواء في ما سمي بهجرة الفنانين او ما يقال ـ وهو صحيح إلى حد كبير ـ عن نمطية معينة ربما تفرض عليها لشروط إنتاجية من قبل الممولين ـ الخليجيين في الغالب ـ لغرض التسويق فشاهدنا بعد موجة الفنتازيا التاريخية مسلسلات التاريخ الحقيقي (مسلسلان عن صلاح الدين بنفس الموسم ومسلسلات الأندلس والحجاج وهارون الرشيد وغيرها) ثم جاءت موجة مسلسلات دراما المجتمع ثم العشوائيات وهكذا . . ..
لكن الأخطر في هذا الموسم كان الغياب شبه الكلي للكوميديا حتى اضطرت شركة سورية الدولية المنتجة للأجزاء الستة من بقعة ضوء إلى إعادة عرض مقاطع مختارة من الأجزاء الستة، ولقيت نسبة مشاهدة عالية رغم عرضها سابقا، وهذا أحد دلائل الحاجة إلى الكوميديا كضرورة لأن يضحك الإنسان ولو على أوجاعه . . .
نحن بحاجة إلى قليل من الضحك حتى نزيح عن أرواحنا بعض تعب الحياة . . .
ويبدو أن الكوميديا هي من أصعب أنواع الأعمال الفنية في جميع مراحلها ابتداء من الكتابة التي تحتاج إلى موهبة كبيرة وعمق في الرؤية إلى التمثيل الذي لا يخفى ندرة المواهب الكوميدية والجهد الكبير الذي يبذله الطاقم الفني إضافة إلى المخرج الكفء والعارف بإمكانات الممثلين والذي يجب أن يملك بالأساس حسّاً ساخراً . . .
الكوميديا هي إحدى الروافع الأساسية للنهضة الدرامية السورية والتي ميزتها عن غيرها من الدراما العربية وتجارب مرايا وبقعة ضوء والدغري وقبلها حمام الهنا ووادي المسك وغيرها شواهد مهمة على طريق تألق الدراما السورية وتربعها على عرش الفضاء العربي.
وغياب هذا الجنس الدرامي المهم هو أول مؤشرات الخطر على الدراما السورية وبداية التراجع، ورغم كل تصريحات الفنان أيمن رضا عن عمل له بعنوان بقعة زيت كمحاكاة لبقة ضوء فان بقعته «فاشت» ولم تظهر وكذلك استمر توقف مرايا الفنان ياسر العظمة التي وقعت مرارا في مطبات البطء والتكرار والإطالة والملل خلال الأجزاء الأخيرة منها على اختلاف التسميات وكانت التجربة بحاجة الى مراجعة للاستمرار مع التطور لكن توقفها يبدو طويلا كما لا نشتهي ولا يشتهي متابعو ياسر العظمة.
وكذلك توقفت تجربة «بقعة ضوء» بعد التألق في البداية ثم «انقسام» مجموعة العمل بين «بقعة ضوء» و«عالمكشوف» وتتالت الانقسامات حتى اختفت بقعة ضوء في تاريخ الكوميديا التلفزيونية السورية.
«ضيعة ضايعة» العمل الكوميدي المهم أيضاً تم الحديث عن جزء ثان، والأجزاء احيانا هي مقتل الأعمال الفنية إذا دخل عليها الهدف التجاري، فيمكن لنفس مجموعة العمل انجاز أعمال أخرى والاستفادة من بعض الكاركترات التي لقيت اقبالا كبيرا من المشاهدين دون استهلاكها، لكن لم يتم حتى الآن إنتاج جزء ثان او عمل آخر من قبل مجموعة العمل المبدعة (الليث حجو وباسم ياخور ونضال السيجري وبقية الفنانين مع الكاتب ممدوح حمادة).
إنه نداء إلى صانعي الدراما السورية والذين يتملكهم هاجس مستقبلها وتطورها، لا تتركوا الكوميديا جانبا فهي الرافعة الأكبر لنهضة الدراما المحلية.
 

حسين خليفة

--------------------------------

حين يتعانق الفن بالواقع والتوق والثورة
المناضل المغني الشيخ إمام ..
رحلة الإبداع والشقاء

بجوار الأزهر الشريف, وعلى امتداد ساحته العريقة يقع حي »الغورية». واحد من الأحياء القديمة في القاهرة ، حفظ لمصر الكثير من ملامحها. البؤس الطويل القديم، والاستمرار رغم كل شيء .
«جوش قدم» حارة ضيقة ، يصل المرء إليها مخترقا صفوف عربات اليد الصغيرة التي تحمل نماذج من إنتاج «خان الخليلي» بينما تفوح من الحوانيت المصفوفة على الجانبين رائحة البخور و العطور الشرقية. و لأن المكان يأبى إلا أن يخاطب في زائريه كل الحواس معا ،فان نداءات الباعة و أصوات المؤذنين و تراتيل المقرئين و المصلين لا تتوقف ليلا أو نهارا.
في «جوش قدم» كان يعيش شاعر و مغن، و رسام ، ونحات في بيت قديم متآكل ، و في الوقت الذي يبدو فيه هذا البيت القديم آيلا للسقوط فإنه يعد مخزنا حقيقيا للأسرار و يستعصي على القدم والتفسخ .. الشيخ امام عيسى، والشاعر أحمد فؤاد نجم وفريقهما الصغير الذين يقفون اليوم في مقدمة الظواهر الايجابية التي ولدتها هزيمة حزيران بكل أهوالها ، فمن حيث لا يدري أحد ولا يتوقع يقدم الشعب المصري مفاجآته في لحظات الظلام الكثيف.
  في غرفة صغيرة بالطابق العلوي، يسهر الشيخ مولانا كل ليلة وفوقه صورتان إحداهما لغيفارا والأخرى »لأبي علي اياد» رسمهما مرافقه و صديقه « محمد علي». في هذه الغرفة يجتمع دائما عدد كبير من مثقفي مصر شبابا وشيوخا. وعلى اختلاف اهتماماتهم وأعمالهم يجمعهم شيء واحد هو حلم التغيير والتوق المضني إلى الخلاص. وقد صاغ كل من الشاعر والشيخ الحلم و التوق معا. وأضافا إلى ذلك أنهما قدما بالفن البسيط حلولا. وكانت هذه الحلول حصيلة رحلة طويلة, قطعها كل على حدة في البدء ثم التقيا ليواصلا معا طريقا لا يحده الزمن ولا الموت. ومن خلال الجوع و التشريد و السجون والمعتقلات خرجت الكلمات والأنغام متكاملة تماما مع المواقف العملية لتجرف في طريقها ببطء و أناة الحواجز والمواقع. فوصلت رغم الحصار والمصادرة إلى الشباب والعمال والطلاب.
إن ظاهرة الشيخ إمام تندمج في الجو السياسي الذي غمر مصر عقب هزيمة حزيران... الجو الذي قامت فيه تظاهرات حلوان والإسكندرية وانتفاضة الطلبة. خرج من صلب التحرك الجماهيري و اندمج فيه بصورة نهائية.إن عمل الشيخ إمام ونجم يتمحور بصورة مباشرة حول المسألة الوطنية التي كانت أيضا محور الحركة الشعبية، فهو يتناول الهزيمة التي يقع عبئها على الشرفاء الكادحين في مواجهة خط انهزامي تطرحه الطبقة المسيطرة دفاعا عن امتيازاتها..نحن إذن أمام عمل سياسي يرتهن بمهمة واحدة هي مخاطبة الجماهير وإعدادها سياسيا. و كون هذا العمل سياسيا صرفا هل يفقره فنيا كما تعودنا في قصائد سياسية (ملتزمة) كثيرة؟ أبدا.. إنه عمل جديد يتعدى هواجس المثقفين الضيقة كما أن أداء الشيخ إمام ينقل الغناء العربي القائم على الترجيع و التطريب إلى آفاق جديدة.
لمحة عن حياته
الشيخ إمام واسمه الحقيقي إمام محمد أحمد عيسى (تموز 1918- حزيران1995)، ولد في قرية أبو النمرس بمحافظة الجيزة لأسرة فقيرة و كان أول من يعيش لها من الذكور حيث مات منهم قبله سبعة ثم تلاه أخ وأخت. أصيب في السنة الأولى من عمره بالرمد الحبيبي وفقد بصره بسبب الجهل واستعمال الوصفات البلدية في علاج عينه، شأنه في ذلك شأن عميد الأدب العربي طه حسين فقضى إمام طفولته في حفظ القرآن الكريم وكانت له ذاكرة قوية.
كان والده يحلم أن يكون ابنه شيخاً كبيراً، لكنه كان قاسياً في معاملته، أما والدته فكانت النبع الذي ارتوى منه إمام بالحنان في طفولته وعوضه فقد بصره، وكانت معايرة الأطفال لابنها بالعمى تدفعها للبكاء. كان إمام يندس في مواسم الأفراح والحج، وسط الحريم ليسمع غناءهن وأهازيجهن فنشأ صاحب أذن موسيقيه
وكان أن سلم عليه ذلك المقرئ محمد رفعت وكلمه ومدح نباهته وتنبأ له بمستقبل متميز. وفى عام 1929، لم يكن إمام قد أكمل عامه الثاني عشر، اصطحبه والده للقاهرة للدراسة بالجمعية الشرعية السنية بحي الأزهر، وكان لدى الجمعية واعظ ومنشد يحييان المناسبات، وفى إحدى الأفراح اختير الطفل إمام ضمن فرقة الإنشاد. التحق الشيخ إمام بالمركز الرئيسي للجمعية، وقضى بها 4 سنوات وأتم حفظ القرآن الكريم، فاستحق لقب "شيخ" رغم صغر سنه، وكان يقيم بها إقامة دائمة.
لازم إمام حب الاستماع للشيخ محمد رفعت، وكان الاستماع للإذاعة من ممنوعات الجمعية لكونه بدعة، فما بالك لو كان يستمع للقرآن، فقررت الجمعية فصله بالإجماع. عندما سمع أبوه بما حدث لابنه من فصل من الجمعية بحث عنه فوجده يقضي نهاره في الحسين وليله في الأزهر حيث كان ينام، فأهانه وضربه وحذره من العودة لقريته مرة أخرى نظراً للجريمة التي اقترفها بتسببه في فصله من الجمعية، وبعدها مباشرة توفيت أمه التي كانت أعز ما لديه في الدنيا، ولم يتمكن من تشييعها لمثواها الأخير، وبالفعل لم يعد لقريته إلا حين مات أبوه.
وفى إحدى زياراته لحى الغورية قابل مجموعة من أهالي قريته فأقام معهم وامتهن الإنشاد وتلاوة القرآن الكريم، وكسائر أحداث حياته التي شكلتها الصدفة التقى الشيخ إمام بالشيخ درويش الحريري أحد كبار علماء الموسيقى، وأعجب به الشيخ الحريري بمجرد سماع صوته، وتولى تعليمه الموسيقى.
اصطحب الشيخ الحريري تلميذه في جلسات الإنشاد والطرب، فذاع صيته وتعرف على كبار المطربين والمقرئين، أمثال زكريا أحمد والشيخ محمود صبح، وبدأت حياة الشيخ في التحسن.
وفى منتصف الثلاثينيات كان الشيخ إمام قد تعرف على الشيخ زكريا أحمد عن طريق الشيخ درويش الحريري، فلزمه واستعان به الشيخ زكريا في حفظ الألحان الجديدة واكتشاف نقاط الضعف بها، حيث كان زكريا أحمد ملولا، لا يحب الحفظ فاستمر معه إمام طويلا، وكان يحفظ ألحانه لأم كلثوم قبل أن تغنيها، وكان إمام يفاخر بهذا.
حتى إن ألحان زكريا أحمد لأم كلثوم بدأت تتسرب للناس قبل أن تغنيها أم كلثوم، مثل "أهل الهوى" و"أنا في انتظارك" و"آه من لقاك في أول يوم" و"الأولة في الغرام"، فقرر الشيخ زكريا الاستغناء عن الشيخ إمام.
كان لهذه الواقعة أثر في تحويل دفة حياة الشيخ إمام مرة أخرى عندما قرر تعلم العزف على العود، وبالفعل تعلم على يد كامل الحمصاني، وبدأ الشيخ إمام يفكر في التلحين حتى إنه ألف كلمات ولحنها وبدأ يبتعد عن قراءة القرآن وتحول لمغن واستبدل ملابسه الأزهرية بملابس مدنية.
وفى عام 1962، حدث اللقاء التاريخي بين الشيخ إمام عيسى وأحمد فؤاد نجم رفيق دربه، وتم التعارف بين نجم والشيخ إمام عن طريق زميل لابن عم نجم كان جاراً للشيخ إمام، فعرض على نجم الذهاب للشيخ إمام والتعرف عليه، وبالفعل ذهب نجم للقاء الشيخ إمام وأعجب كلاهما بالآخر.
وعندما سأل نجم إمام لماذا لم يلحن أجابه الشيخ إمام أنه لا يجد كلاما يشجعه، وبدأت الثنائية بين الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم وتأسست شراكة دامت سنوات طويلة.
ذاع صيت الثنائي نجم وإمام والتف حولهما المثقفون والصحفيون خاصة بعد أغنية: "أنا أتوب عن حبك أنا؟"، ثم "عشق الصبايا"، و"ساعة العصاري"، واتسعت الشركة فضمت عازف الإيقاع محمد على، فكان ثالث ثلاثة كونوا فرقة للتأليف والتلحين والغناء ساهم فيها العديد لم تقتصر على أشعار نجم فغنت لمجموعة من شعراء عصرها أمثال: فؤاد قاعود، و نجيب سرور وتوفيق زياد، وزين العابدين فؤاد، وآدم فتحى، وفرغلى العربى، وغيرهم.
كغيره من المصريين زلزلت هزيمة حزيران 1967 إمام وسادت نغمة السخرية والانهزامية بعض أغانيها مثل: "الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا - يا محلى رجعة ظباطنا من خط النار"، و"يعيش أهل بلدى وبينهم مفيش - تعارف يخلى التحالف يعيش"، و"وقعت م الجوع ومن الراحة - البقرة السمرا النطاحة"، وسرعان ما اختفت هذه النغمة الساخرة الانهزامية وحلت مكانها نغمة أخرى مليئة بالصحوة والاعتزاز بمصر مثل "مصر يا إما يا بهية - يا ام طرحة وجلابية".
انتشرت قصائد نجم التي لحنها وغناها الشيخ إمام كالنار في الهشيم داخل وخارج مصر، فكثر عليها الكلام واختلف حولها الناس بين مؤيدين ومعارضين، في البداية استوعبت الدولة الشيخ وفرقته وسمحت بتنظيم حفل في نقابة الصحفيين وفتحت لهم أبواب الإذاعة والتلفزيون.
لكن سرعان ما انقلب الحال بعد هجوم الشيخ إمام في أغانيه على الأحكام التي برأت المسؤولين عن هزيمة 1967، فتم القبض عليه هو ونجم ليحاكما بتهمة تعاطي الحشيش سنة 1969, وكانت التهمة سياسية حيث أن ضباط مكافحة المخدرات كانوا يساومانهما على التعاون مع مسؤولي الإعلام لكنهما رفضا, وأطلق القاضي سراحهما، لكن الأمن ظل يلاحقهما ويسجل أغانيهم حتى حكم عليهما بالسجن المؤبد ليكون الشيخ أول سجين بسبب الغناء في عالمنا العربي.
قضى الشيخ إمام ونجم الفترة من هزيمة حزيران حتى حرب تشرين الأول يتنقلا من سجن إلى آخر ومن معتقل إلى آخر ومن قضية إلى أخرى، حتى أفرج عنهم بعد اغتيال الرئيس أنور السادات.
وفى منتصف التسعينات آثر الشيخ إمام الذي جاوز السبعين العزلة والاعتكاف في حجرته المتواضعة بحي الغورية ولم يعد يظهر في الكثير من المناسبات كالسابق حتى توفي في هدوء في حزيران 1995 تاركاً وراءه أعمالاً فنية نادرة,ومنها رائعة «البحر بيضحك ليه» التي كتبها الشاعر الشيوعي نجيب سرور وامتزج فيها الشعور الوطني بالطبقي بالوجدان العاطفي.
 

إعداد: زياد عبد العليم

البحر بيضحك ليه

البحر بيضحك ليه
وانا نازله ادلع املا القلل
  البحر غضبان ما بيضحكش
أصل الحكاية ما تضحكش
البحر جرحه ما بيدبلش
وجرحنا ولا عمره دبل
  مساكين بنضحك من البلوة
زي الديوك و الروح حلوة
سارقاها من السكين حموة
و لسة جوا القلب أمل
قللنا فخارها إناوي
بتقول حكاوي و غناوي
يا قلة الذل أنا ناوي
ما شرب و لو في المية عسل
والبحر بيضحك ليه … ليه
وانا نازلة ادلع املا القلل
  ياما ملينا وملينا
لغيرنا وعطشنا ساقينا
صابرين وبحر ما يروينا
شايلين بدال العلة علل
  والبحر بيضحك ليه … ليه
وانا نازلة ادلع املا القلل
في بالي ياما وعلى بالي
واللي بيعشق ما يبالي
ما يهمنيش من عزالي
يا حلوة لو مرسالي وصل
والبحر بيضحك ليه ليه
وانا نازلة ادلع املا القلل
بيني وبينك سور ورا سور
وانا لا مارد ولا عصفور
في إيدي عود قوال وجسور
وصبحت انا في العشق مثل
والبحر بيضحك ليه
وانا نازله ادلع املا القلل

--------------------------------

أذرع الأخطبوط الصهيوني
مهرجان فينيسيا السينمائي يكافئ مجرمي الحرب

حصل مهرجان فينيسيا السينمائي كعادته على مساحة واسعة من الاهتمام الإعلامي، وهي الدعاية المعتادة لأعرق وأقدم المهرجانات السينمائية، وكان اليوم الأول يشير إلى سير المهرجان باتجاه معين، لكن الجوائز جاءت باتجاه مغاير تماماً.
فقد شهد المهرجان استقبالاً جماهيرياً حاشداً للرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، حيث عرض في المهرجان فيلم وثائقي للمخرج الأمريكي اوليفر ستون بعنوان "جنوب الحدود" يتحدث عن التحولات الاجتماعية في امريكا اللاتينية ويمثل تشافير دورا اساسيا في الفيلم الذي يتضمن عددا من المقابلات مع القادة اليساريين في امريكا اللاتينية ولقطات من وسائل الاعلام الامريكية ومقتطفات من بيانات رسمية امريكية ضد تشافيز. وصرح تشافيز بعيد عرض الفيلم قائلاً: "يقولون ان اقتصاد السوق يمثل الخلاص لنا وان الاشتراكية هي نهايتنا لكن العكس هو صحيح وان اطلاع شعوب القارة الاوروبية والشعب الامريكي على الحقيقة امر في غاية الاهمية".
المخرج السينمائي الامريكي مايكل مور عرض فيلمه الوثائقي الاخير بعنوان "الرأسمالية: قصة حب"، والذي ينتقد فيه الرأسمالية، معتبراً أنها فكر ونظام يزيد الاثرياء ثراء والفقراء فقرا، واظهر كيف تسرح الشركات الآلاف من موظفيها وعمالها، مقابل تحقيقها ارباحا غير مسبوقة، والصلات بين عالم السياسة والمال.
وأظهرت جوائز المهرجان أن كل ذلك كان هدفه جذب الجمهور وتغطية ما جرى لاحقاً.
فالتطبيل والتزمير للسينما الايرانية أظهر أنه كان لثلاثة أفلام اثنان أميركيان وآخر فرنسي أخرجها مخرجون من أصول ايرانية، وحاز "رجال بدون نساء" للمخرجة الأمريكية الايرانية الأصل شيرين نشاط على الجائزة الفضية، وعند تسلمها الجائزة قامت مخرجته بمهاجمة النظام الوطني في ايران.
أما الجائزة الذهبية فذهبت إلى المخرج الاسرائيلي صموئيل ماعوز على جائزة افضل فيلم في المهرجان عن فيلمه "لبنان"، ويتناول الفيلم تجربة المخرج الشخصية أثناء مشاركته في الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982، وتم تصوير الفيلم من خلال منظار الدبابة التي كان ماعوز احد افراد طاقمها خلال الغزو، وتظهر مقتطفات الفيلم التي تسنى لنا مشاهدتها، الجنود الصهاينة وهم يراقبون فتاة تلبس اسمالاً، ومؤشر الهدف موجه اليها، في حين تنزل دمعة من عين أحدهم، ويصور الفيلم الغزاة الذين ارتكبوا المجازر ودمروا لبنان اناساً لطفاء وانسانيين، وكأنه في بعض فصوله رد عما كشفه اردوغان عن اعترافات القادة الصهاينة بسعادتهم حين يجتاحون بدباباتهم غزة.
أما ماعوز فقد أهدى جائزته للقتلة حين قال "الجائزة هي لآلاف الاشخاص الذين مروا بتجربة مماثلة لتلك التي مررت بها وعادوا من جبهات الحرب سالمين وهم الان يعيشون مثل غيرهم حياة طبيعية لكن ذكرى الحرب محفورة في وجدانهم"، ووضح هدف الفيلم خلال اتصال هاتفي مع القناة الاولى للتلفزيون الاسرائيلي حين قال بانه يأمل ان يساعد الفيلم الاخرين على "فهم اسرائيل والمجتمع الاسرائيلي وتعقيداته بشكل افضل".
إذاً هو فيلم دعائي، والدعاية للدبابات الاسرائيلية مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى بعد مجازر غزة وما خلفته من استياء في أوساط الرأي العام العالمي.
وحسب النقاد فإن الفيلم لا يتمتع بسوية فنية عالية إلا أن فكرته جديدة، لكننا متحفظون على أن فكرته جديدة، فالمنظور الصهيوني للمنطقة كان ومازال عبر منظار دبابة، وبدونه سيفقد الكيان الصهيوني جزءً من هويته المؤسسة.
وعوضاً عن الصور الحية لأطفال غزة التي شاهدها العالم، عرض مهرجان فينيسيا دموع التماسيح وخوف القتلة من ضحاياهم، لا بل وكرمهم ومجد عملهم وكافأهم في النهاية، ليصبح المهرجان بوقاً حقيراً للدعاية الصهيونية.
 

رشيد موسى

--------------------------------

«كل ّ شي ء هادئ على الجبهة الغربية» لأريك ماريّا ريمارك
إدانة قوية للحروب الامبريالية

ولد أريك ماريا ريمارك في اوستنابروك ، ألمانيا، عام 1898 لعائلة من الشرائح الدنيا للفئات الوسطى. أجبر عام 1916 على الخدمة العسكرية في الجيش الألماني للمشاركة في الحرب العالمية الأولى، و أصيب فيها بجروح بالغة. وبعد عشر سنوات من انتهاء الحرب، طبع كتابه بالألمانية والذي ترجم إلى العربية تحت عنوان " كل ّ شيء هادئ على الجبهة الغربية.
وقد حطم ريمارك الأساليب التقليدية لكتابة روايات الحرب ، و أصبحت روايته عالمية و صورت عام 1930 كفيلم ناجح تحت نفس عنوان الرواية لأرنست بورجناين عام 1979.
بعد وصول هتلر إلى السلطة عام 1933 في ألمانيا، هاجم النظام النازي رواية" كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" متهما إياها باللاوطنية. وخشية الانتقام لم يبد ِ ريمارك أية مقاومة ضد اعتداءات النظام النازي ، وقام بطبع كتاب آخر عام 1931 باسم " طريق العودة" يصف معاناة المدنيين الألمان من آثار الحرب بعد انتهائها. وإثر نشر الكتاب المذكور الذي اعتبره النظام النازي تحديا له و مثيرا للمعارضة ضده ، هرب ريمارك إلى سويسرا مع زوجته جوتا زامبونا عام 1934.
أصدر النظام النازي عام 1934 قرارا بمنع روايتي ريمارك و قام بحرق نسخهما حيثما وقعت عليها عيون النظام وجلاوزته. رحل عام 1939 إلى الولايات المتحدة مثل معظم المثقفين الألمان الهاربين من النازية، وحصل على الجنسية الأمريكية عام 1947. و أثناء الحرب العالمية الثانية قتل النظام النازي شقيقته لصلاتها مع شقيقها.
وقد ألهمه عشقه للممثلة مارلين ديتريخ و هيامه بها إلى كتابة روايته " قوس النصر" . وتزوج عام 1958 نجمة سينمائية أخرى وهي باوليت جوددارد ، فانتقلا إلى بورتو رانكو بسويسرا حيث مات ريمارك في 25 سبتمبر عام 1970.
تعالج أغلب روايات ريمارك القضايا السياسية والاجتماعية في أوروبا في فترة الحربين العالميتين الأولى والثانية وما بينهما. تحولت العديد من هذه الروايات إلى أفلام. و ستبقى رواية" كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" أو في ترجمة أخرى "لا شيء جديد على الجبهة الغربية" رائعته وعمله الأعظم لشعبيتها و كثرة الدراسات النقدية عنها. وستبقى هذه الرواية من الأعمال الخالدة المناهضة للحرب و الغطرسة الامبريالية والشوفينية القومية.
مناخ الرواية وبيئتها هي الحرب الامبريالية ، أو ماسمي الحرب العالمية الأولى بكل صورها الفظيعة متفوقة على أية حرب اندلعت من قبل، والتي غيرت تغييرا حاسما كل الإدراك الإنساني عن الصراع المسلح ، و مستوياته الكارثية من مجازر و عنف ،و معاركها الفرعية التي استمرت لشهور ، و التقدم التقني الحديث الرهيب ( مثل اختراع الرشاشات الأوتوماتيكية،و الغازات السامة، و الخنادق والمتاريس) ، ما جعل القتل أسهل ، وغير شخصي( أي ّ لم يعد المقاتل يشخص كقاتل شخصي بل جيشه وحكومته هما القاتلان أي تحولت الدولة الامبريالية الى قاتل صريح).
إن رواية ريمارك تُؤرخ هذه الجوانب من الحرب العالمية الأولى ، وتصور الإرهاب المخدِّر للذاكرة ووحشية الحرب بالإضافة إلى التركيز المكثف على الأضرار النفسية و السيكولوجية التي يعاني منها الجنود سواء أثناء الحرب أو بعد انتهائها في نهاية الرواية، وان أغلب الشخصيات الرئيسية للرواية يُقتلون ، حيث تركز الرواية على تصوير التأثير المدمر للحرب والسياسة العدوانية للأنظمة الحاكمة على جيل الشباب من الرجال الذين يجبرون على القتال.

السيرة الغالبة في رواية " كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" تتمحور حول الجرائم الفظيعة التي تستوجبها الحروب. . مثلما جربها في الحقيقة الجنود في الجبهة، بدون أن تسجل بيانات الحكومتين الألمانية والفرنسية ، و شعارات المجد و مشاهد البطولات ، كما تقوم الرواية بشكل أساسي باطلاع القارئ على صور الرعب غير الرومانسية ، والعبثية والمذابح البشرية.
ينقلنا ـ اريك ماريا ريمارك ـ الى واحدة من الجبهات التي فتحتها الأطماع الألمانية للتوسع والاستحواذ كي يصوّر لنا بشاعة الحرب ، وهوس تجارها في إطالة وتوسيع أمدها غير عابئين بأنياب المآسي وحراب الدمار التي تنغرز في أجساد الأمم فتمزق أحلامها الخضر، وتطفئ جذوة الحياة المبتغاة في عيون الساعين إلى اقتطاف لحظة سلام واحدة تتمم لهم حلو العيش الرغيد .. تأتي قوة العمل الروائي فيها وصدقه من كون الكاتب ألمانيّاً خرج من بين جموع المخدوعين بعظمة أمته وسموها فوق الأمم ، فجاءت الرواية ألمانيّة بأبطالها .. أبطال ألتهمتهم محرقة الحرب ، وأفجعتهم بأحداثها المتهافتة فلم تترك لهم جرَّ الأنفاس لعظم هولها وبشاعة دقائقها وتفاقم المرارة والندم اللذين كانا يتناميان في نفوس شخوصها .
يتحدّث ( بول ) بلسان جمعي عن أجواء المعسكر حيث ولجه ورفاقه متطوعين .. ستة من زملاء الدراسة ؛ شبّان لم يبلغوا التاسعة عشرة ؛ مبهورون ببريق الدولة العظمى ؛ مهووسون بحمَّى الانتصار والتفوّق تشحذهم خيلاء الملابس العسكرية فيزيدهم غطرسةً واستعلاء . لهذا تراهم يتحملون قسوة التدريب وعنفه ؛ لكنهم يخرجون بمحصلة تثير فيهم الشك واضعة إيّاهم على أعتاب موقف جديد : " أمضينا في الجيش عشرة أسابيع للتدريب اكتسبنا في هذه المدّة ما لم نكتسبه بدراسة عشر سنوات في المدرسة . عرفنا أنَّ زرّاً لامعاً في البذلة هو أكثر قيمة من أربعة مجلدات من فلسفة شوبنهاور . وفهمنا أنَّ ما يهم ليس هو العقل بل طلاء الحذاء ، وليس هو الذكاء بل النظام ، وليست الحرية بل التدريب العسكري .
يشير ريمارك في هذه الرواية إلى أن أي جندي لكي يعيش هذه الأجواء الحربية عليه إطفاء ذاكرته والتحرك وفق ما تملي عليه الغرائز، وأن يتحول إلى أقل من كائن بشري ، يتصور باول نفسه "حيوانا إنسانا"، وبقية الجنود الناجين من الموت في المعارك تحركهم الغرائز أيضا. معايشة المعارك بهذه الطريقة حيوانية تماما في هذه الأجواء، حين يطيع الجنود غرائزهم بدل العقل والحكمة ويشمون كالكلاب إمكانيات الأمان حيثما كانت. وبهذا تتحطم إنسانية الجنود، وتسلبهم الغريزة الحيوانية إمكانية الشعور ما يجعلهم يسلكون كوحوش لا كبشر اجتماعيين.
لا يكثر ريمارك في روايته " كل ّ شيء هادئ على الجبهة الغربية" من توظيف الرموز ، لكن أهم رمز في الرواية هو جزمة كيميرخ التي يتناوب على امتلاكها عديد من الجنود بعد موت مالكها. كيمريخ نفسه انتزعها من جثة طيار مقتول، وبينما كان كيمرخ يستلقي على فراش الموت يبدأ مولر حالا بالمناورة لاستلام الجزمة العسكرية. يأتي باول بها لمولر بعد موت كيمرخ ، ويأخذه لنفسه بعد مقتل مولر في الرواية.
و يصور ريمارك التأثير الشامل لهذه الظروف على الجندي وكأنه حمل مشلول هلعا و يأسا وإحباطا. وإن الطريقة الوحيدة أمام الجنود للبقاء هي الانفصال عن مشاعرهم، وكبح أحاسيسهم و القبول بهذه الظروف المزرية كنمط جديد للحياة وأمر واقع.
وفي نظر ريمارك أن لهذا الانفصال النهائي عن المشاعر له تأثيره التدميري على إنسانية الجنود، فمثلا باول، يتحول إلى كائن لا يمكنه تصور مستقبل البشر بدون حروب ، وهو غير قادر على استذكار كيف عاش في الماضي.و كذلك يفقد القدرة على التحدث إلى أهله ومعاشرتهم . ولم يعد الجنود يندبون أصدقاءهم ورفاقهم القتلى.

باول وأصدقاؤه تغرر بهم الأفكار القومية للانخراط في القوات المسلحة ، لكن التجربة سرعان ما تكشف لهم تلك الخدعة الكبرى بعد معايشتهم الحرب و فظائعها و إحساسهم بأنها جردتهم من الروح الإنسانية و حولتهم إلى وحوش على شكل البشر.
تعليمات الأساتذة من أمثال كانتورك و هيملستوس تتحول إلى أحقاد تافهة وأفكار مهجورة فارغة ولن تصمد أمام فتك الأسلحة الحديثة الصنع. ويوضح ريمارك أن الجنود في الجبهة لا يقاتلون في سبيل أمجاد الأمة ، بل لمصالح الحكام الطواغيت. باول ورفاقه لا يعتبرون الجنود في الجبهة المواجهة لهم أعداء الحقيقيين، بل يعتبرون الرجال الذين يملكون زمام الحكم والسلطة والمال من أبناء أمتهم وشعبهم ، أعداءهم الحقيقيين ، الذين يضحون بهم في جبهات الحرب ويجبرونهم على مقاتلة ناس أبرياء في سبيل السلطة وتكديس الارباح.
وكلّما توغلنا في دروب الرواية وتعددت الصفحات اكتشفنا أهوال الحروب الامبريالية مثلما اكتشف ( بول ) ورفاقه أنهم لم يعرفوا من الحياة غير الخوف واليأس والأحزان والموت ، فراحوا يتساقطون مضرَّجي الدماء ، مبتوري الأعضاء ، ممزَّقي الأحلام تحت السماء الداكنة ، يمزّق سكونها دوي المدافع ، فيسقط الرفيق الأول مهشَّم الساق . ينقل إلى المستشفى ؛ وهناك : " دنونا من فراشه . رأيته فارق الحياة . كان محيّاه لم يزل مبللاً بدموعه وعيناه نصف مفتوحتين . " . ويتبعه ( ديستوس ) في معركة أخرى فيموت بسبب جرح في ظهره يمزّق رئتيه ويقطع عليه أنفاسه فيما يموت ( جادن ) و ( موللر ) و تبتر ساق ( ألبرت كروب ) من فخذه ويموت آخر الأمر ... وأخيراً يحمل الراوي رفيقاً له على ظهره جريحاً إلى مستشفى الميدان ، وهناك يكتشف أنّه إنّما كان يحمل جثَّةً هامدة .
هكذا راحوا يموتون في معارك متلاحقة تتخللَّها تداعيات مُرّة وذكريات تعود بهم القهقرى إلى الطفولة ، ففي يوم زار ( بول ) أهله في أجازة قصيرة ؛ وفي واحد من المواقف المؤثّرة تجلس أمُّه عند فراشه تسأله : " هل تخاف كثيراً ؟ " فيجيبها : " لا يا أمّي " . وينسحب إلى الداخل :" أوّاه يا أمي . لا أزال في نظركِ طفلاً . فلِمَ لا أدسُّ راسي في حجركِ وأبكي ؟ ماذا يحملني على التجلّد والتشدد ؟ كم أود أن أبكي لوعتي ؛ فإني في الحق لم أتجاوز دور الطفولة كثيراً . ولم يزل بنطلوني القصير معلقاً بين ملابسي في غرفتي . ما أقرب العهد ذاك بهذه الأيام ؟ لِمَ ذهبت وانطوت ؟ لِمَ لا أضحك ، يا أمي بين ذراعيك ونموت معاً ؟! "
وتتخلل الرواية حوارات عديدة ساخنة بمواقفها . قوية بمضامينها .. يقول ( كات ) :
_ لا بدَّ من وجود أناس معينين يفيدون من الحرب . فيجيبه ( جادن ) :
_ لا يمكن أن يكون الإمبراطور لأنّهه يملك كل ما يشتهي .. فيرد ( كات ) :
_ لا بَّد لكل إمبراطور عظيم من حرب واحدة في الأقل تنشب في عهده ، و إلاّ خمل ذكره ولم يذع صيته.
ونقف عند حوار آخر يدور حول مصائرهم ، يقول ( بول ) :
_ كلّما فكّرت يا ألبرت في زمن السلم الذي نتحدث عنه صوَّرت لي نفسي أن أقوم بعمل لا يتصوّره العقل . عمل يوازي هذه الكارثة التي بتنا بها . لكنني عاجز عن تصوّر ما أفعل .
وساور هذا الإحساس ( كروب ) فقال :
_ سنعاني أزمة شنيعة ؛ لكن ما من أحد يفكّر في أمرنا . ان سنتين تحت أهوال القنابل والمدافع أمر لا يسهل نسيانه . ان الحرب قد دمرتنا ولم نعد نصلح لشيء .
إنها إذا السخرية والألم من خديعة مريرة وجدوا أنفسهم مُقادين في دروبها :
" _ ربّما كان الحق في جانب الطرفين .. يستطرد ألبرت
_ لكن مدرسينا وقساوستنا وصحفنا يقولون أن الحق في جانبنا وحدنا ، وهو ما نرجو أن يكون صحيحاً . لكن المدرسين الفرنسيين وقساوستهم وصحفهم يقولون أن، الحق في جانبهم هم ؛ فما رأيك في هذا ؟
_ لا جواب عندي . لكن أينما كان الحق فالحقيقة الواقعة أنَّ الحرب دائرة . "
وتدور الحرب . يستعر أوارها فتضم إليها دولاً أخرى وتزداد أعداد القتلى ؛ تدمَّر المدن ؛ تُحرق البيوت ؛ يكثر المشردون . ويصبح " ( كل شيء في الحياة عبثا وخداعا ـ هكذا يؤول الراوي بروايته إلى نهايتها _ إذا كانت حضارة آلاف السنوات لا تستطيع أن توقف سيل الدماء التي تتدفَّق مدراراً ؛ ولا أن تحول دون هذه الجروح المروِّعة التي تكتظ بها غرف العذاب في المستشفيات فكيف يكون المصير . إنَّ المستشفى وحده يبيّن ما هي الحرب ؛ ويصوّرها تصويراً مجرداً ) .
وتخلو الرواية من قصص الحب التي نجدها كالعادة في روايات أخرى ، وتظهر الحرب كمعادلٍ موضوعي سلبي لعواطف الأبطال وخيالاتهم . لقد أنستهم الحرب فيوض الحب ورياضه ِ ؛ وجعلتهم لا يبصرون غير الخنادق والأسلاك الشائكة تتعلّق بشفراتها الأعضاء البشرية الممزقة وخرق الأقمشة الملوثة بالدماء . ولا يشمّون غير رائحة البارود . ولا يخلو يوم من منظر فئران الخنادق التي تجابههم بحربٍ أخرى غير معلنة : " الحق أن الجرذان هنا بشعة ممقوتة ، فهي مفرطة السمنة ؛ من النوع الذي يسمى بآكلة الجثث ؛ ولها وجوه مروعة شنيعة عارية ، ومنظر أذيالها الطويلة المجردة من الشعر يثير أشد الاشمئزاز . "
هي الحرب تتكرس ، فتأكل ستة رفاق من مجموع سبعة . أي بحساب النسبة المئوية 85% كانوا حطباً لنار سعير أشعلها المستبدّون كي ما يحصدوا أوسمة البطولة الملطّخة بالدم .
إنَّ ما يميّز هذا العمل الإبداعي الجميل هو صدقه الفائق ، والتعبير عنه بأحاسيس خلت من المبالغة والتهويل ، فتلاحقت فصول الرواية الاثنتا عشرة وتسارعت أحداثها صُعَّداً نحو خيبة الأمل الذي وجد الراوي نفسه وحيداً على أعتابها . ولكي يربك خالق الرواية ذهن القارئ ويصعقه أضاف خاتمةً صغيرة ـ أسطرا معدودة ـ جاءت بلسان الصوت الثالث لتعمّق خيبة الأمل ، ففي أكتوبر من عام 1918 وكما ورد في الخاتمة ـ حيث الحرب وضعت أحمالها ، وثاب الكبار إلى رشدهم ـ بعد جنون طويل ـ سقط بطل الرواية قتيلاً ، ولكن في ذلك اليوم لم يُذكَر خبر استشهاده كي لا يعكِّر صفو الهدنة .. وكُتبَ في التقرير اليومي أن : " كل شيء هادئ في الجبهة الغربية " .
 

متابعة :أسامة الماغوط

 
الحزب الشيوعي السوري - الموقع الرسمي للحزب الشيوعي السوري
 
 
 
 
 
 
 
 
     
 
الحزب الشيوعي السوري - الموقع الرسمي للحزب الشيوعي السوري
English | اتصل بنا | SolidNet | الصفحة الرئيسية

All site contents copyright © 2005 by Syrian Communist Party

لأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
info@syriancp.org