|
آراء ومتابعات
--------------------------------
المــــشــــروع الأمــــريــــكــــي
حول سياسة رأسمالية الدولة والإصلاح الإداري
تــطـور تجــلـيـات الفســـاد
--------------------------------
الولايات الأولى، التي تألفت منها الولايات
المتحدة الأمريكية بعد حرب الاستقلال التي بدأت عام /1775/
كانت إداراتها عموماً أكثر من همجية. مثلاً في /1611/ كان حاكم
فرجينيا سير توماس ديل، وأدار المستوطنة بالحديد والنار
(بالقانون الإلهي والأخلاقي والحربي، (Divine, Moralt and
martial Laws) فكان يعطى لكل شخص بما في ذلك النساء والأولاد
رتبة عسكرية، وتحدد مهماته بتفصيل، والإخلال بها يستوجب عقوبات
من نوع مبيت المعاقب ليلة كاملة وقدماه مربوطتان إلى نحره
والجلد في المخالفة الثانية، والخدمة سنة في مطابخ السفن في
المخالفة الثالثة. وبعد قيام الولايات المتحدة بدستورها
العنصري الذي أقر في /17/ أيلول /1787/ بقيت الإدارة الأمريكية
عدوانية تجاه الهنود الأمريكيين «Amerindians (الحمر)»، وتجاه
العبيد، ثم فيما بعد تجاه الجوار، ثم تجاه أمريكا اللاتينية
بمجموعها.
والتفتت الإدارة
الأمريكية إلى احتواء العالم منذ الحرب العالمية الأولى، وربما
قبلئذٍ. ففي تلك الحرب وبعدها لعبت أدواراً ما تزال تفاصيلها
غير معروفة، وربما منها دورها في الحرب الأهلية ضد الثورة
البلشفية في روسيا القيصرية. ربما أيضاً قيام النازية
الألمانية هو من صنع تلك الإدارة، فألمانيا انهارت تماماً بعد
الحرب، وما كان بإمكانها أن تقوم ثانية إلا بمساعدة خارجية
هادفة إلى تسليطها على الاتحاد السوفييتي الوليد. وأهم ما
فعلته الإدارة الأمريكية بين الحربين الأولى والثانية هو فرض
الدولار في مؤتمر بريتون رواز /1944/ نقداً دولياً. هذا جعل
الاقتصاد العالمي كله، بما في ذلك الاقتصادات الحرفية
والفلاحية، ترتبط بذمة الولايات المتحدة.
بعد الحرب العالمية
الثانية كان هاجس الإدارة الأمريكية إحلال نفوذها محل النفوذين
الإنكليزي والفرنسي في المستعمرات، واستطاعت تحقيق ذلك
تدريجياً منذ أربعينات القرن الماضي في آسيا وأفريقيا، وكانت
حصة الشرق الأوسط إقامة إسرائيل، وتوسيع امتدادها البترولي إلى
كامل الخليج وإيران، وكان قد بدأ في السعودية منذ ثلاثينات
القرن الماضي.
وفي نفس الوقت كان
هاجس الإدارة الأمريكية الأخطر ضرب الاتحاد السوفييتي،
والانتهاء من نظام الاشتراكية العلمي. وفي أيام الرئيس السابق
ترومن أسقطت أول قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغازاكي،
وكانت النية ضمناً استخدام السلاح الجديد ضد الحليف السوفييتي،
وألمح الرئيس نفسه عن ذلك في مؤتمر بوتسدام /1945/ بين
الحلفاء، وتجاهل ستالين التلميح، مع أنه أدرك خطره الكبير،
وهتف من فندقه إلى موسكو مستعجلاً الأبحاث النووية في بلده.
وبعد القفزات التكنولوجية، التي حققها الاتحاد السوفييتي، وبعد
إنشاء حلف وارسو والمساعدة في قيام أنظمة الاشتراكية العلمية،
عدل المشروع الأمريكي من ضرب الاتحاد السوفييتي إلى تخريب
المعسكر الاشتراكي العلمي، والإدارة الأساسية في ذلك كانت وما
تزال تفعيل مختلف الرواسب القديمة، العنصرية والطائفية
والقبلية إلى جانب تجنيد العملاء من كل نوع. واستطاعت الإدارة
الأمريكية فعل الكثير: شقت يوغسلافيا السابقة في /1948/ وشقت
الصين في /1956// وشقت ألبانيا، وحركت هنغاريا، وتشيكوسلوفاكيا
ثم بولندا ضد النظام الاشتراكي العلمي، وفي أيام بريجنيف في
الاتحاد السوفييتي، استطاعت تجنيد شلة غورباتشوف ويلتسين إضافة
إلى الأصوليات، الصهيونية بالدرجة الأولى، ثم المسيحية
والإسلامية.
وعوامل الانهيار كانت
ناضجة بعد وفاة تشيرنينكو في الاتحاد السوفييتي، فاستطاع
غورباتشوف بعد مجيئه في عام /1985/ أن يدمر لصالح الإدارة
الأمريكية أنظمة الاشتراكية العلمية، في بلدان الاشتراكية
العلمية، وأن يمزق الاتحاد السوفييتي، واستطاع ومن بعده يلتسين،
تخريب الاقتصاد والدفاع الروسيين، بإدخال وصفات صندوق النقد
الدولي والبنك الدولي إلى روسيا وبيع أموال الشعب الروسي بثمن
بخس، والتخلي عن جزء كبير من الثروة البترولية مقابل لا شيء،
وعقد اتفاقات عسكرية تآمرية مع الإدارات الأوروبية والأمريكية،
وتمرير الأسرار العسكرية السوفييتية الهامة إلى الإدارة
الأمريكية وتهميش بعض الأسلحة لدرجة التدمير.
على صعيد العالم
الثالث شنت الإدارة الأمريكية بالتحالف مع إداراته منذ نهاية
الحرب العالمية الثانية حرباً إعلامية شعواء ضد الشيوعية
باستخدام الأجهزة الإعلامية الدولية والمحلية لكل أنواع
الأكاذيب والتشهير المبتذل، جعلت من الشيوعية جريمة تلاحق
بالقوانين الثالثية. ومع تقارب بعض الدول الثالثية والاتحاد
السوفييتي في ستينات القرن الماضي، استطاعت الإدارة الأمريكية
أن تسخر أدوات حربها الخفية لـ «تبويظ» ما يقدمه الاتحاد
السوفييتي من مساعدات للدول الثالثية: لقد خربت السدود
والمعامل التي بنيت، وبيعت التكنولوجيات التي تم الحصول عليها،
عسكرية كانت أم مدنية، فاطلعت العسكريات الغربية من خلال ذلك
على أسرار الصواريخ والطائرات والرادارات السوفييتية، التي في
متناول الثالثيين. أيضاً عمل العديد من الطلاب الثالثيين في
الاتحاد السوفييتي وفي بلدان الاشتراكية العلمية بالتهريب،
وأحياناً ببيع الباسبورات مستفيدين من تساهل الإدارات في تلك
البلدان تجاه رعايا العالم الثالث، وعملوا بذلك عامدين، أو عن
غير قصد، في تخريب المعسكر الاشتراكي العلمي. وعاد الكثيرون
ممن استفادوا من العلم، أو من التدريب في بلدان الاشتراكية
العلمية إلى بلدانهم يشتمون الاتحاد السوفييتي والاشتراكية
العلمية لا فرق مجاناً أو بأجر.
في أوروبا، الإدارة
الأمريكية ولي نعمة بالنسبة للإدارات الأوروبية، ولذا، رغم
شعور الشعوب الأوروبية عموماً بتعسف الإدارة الأمريكية،
وبالنفور منها، فإن تلك مرتبطة بالأخيرة ارتباطاً عضوياً،
وربما مصيرياً. ولذلك تدفع الإدارات الأوروبية، ودفعت، فواتير
المشروع الأمريكي على حساب شعوبها. إنها تدفع فواتير التضخم
النقدي الأمريكي من اقتصاداتها، ودفعت من قبل فواتير الحرب
الإعلامية ضد الاتحاد السوفييتي، وفواتير الحلف الأطلسي، وتدفع
اليوم من دم شعبها وعلى حساب شعبها كل فواتير المشروع العدواني
الأمريكي، تدفع فواتير احتلال العراق واحتلال أفغانستان،
وفواتير الإبادة الإسرائيلية للفلسطينيين، عدا الفواتير
المتعلقة بمناطق أخرى من العالم.
طبعاً كان لابد أن
يواجه المشروع الأمريكي برد فعل، أولاً من الشعوب، ثانياً من
الإدارات المهددة، ثالثاً، من الداخل الأمريكي.
لقد اعتادت الرأسمالية
الدولية منذ زمن طويل مواجهة رد فعل الشعوب، وذلك بطريقتين،
الأولى هي شق الشعب طائفياً، عرقياً، قبلياً، الخ، وجعله يقاتل
بعضه، بدلاً من أن يقاتل عدو الجميع، وهو الرأسمالية الدولية،
والثانية هي من نوع مبدأ جي غود («Jay Gould» رجل أعمال ومالي
أمريكي من القرن التاسع عشر)، ومبدؤه هو: «استئجار نصف العمال
لقتل النصف الآخر» فالرأسمالية الدولية تملك الجيوش
والميليشيات والعصابات وكلها من أصل شعبي ومسلحة لقمع الشعب.
غير أنه حينما يصبح
الشعب محصوراً في الزاوية، يصبح أشرس من أن يقمع بسهولة،
مثلاً، في فلسطين والعراق وفلسطين، يواجه الناس العدوانية
بأظافرهم، ويكلفون المحتلين أثماناً غالية، ذلك أن الناس، لا
خيار أمامهم، سوى الموت أو المقاومة. أيضاً موجات المقاومة
المتحالفة، الأوروبية ــ الأمريكية، التي عبرت عن ذاتها في
بورتو اليغري (البرازيل)، فإنها صوت ملايين المعارضين
الأوروبيين والأمريكيين لسياسة الرأسمالية الدولية العدوانية
ليس فقط على الأمم والبلدان، وإنما أيضاً على لقمة الشعوب،
فتنتج ملايين الفقراء والجائعين في العالم.
الإدارة الأمريكية
أصبحت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تهدد كل شيء، البلدان
والشعوب والكوكب، وتهدد للتهديد، فليس من مصلحة الرأسمالية
الدولية ذلك على المدى الأبعد، وربما فقط من مصلحة الجزء
المنحط من تلك الرأسمالية، من نوع تجار المخدرات والدعارة
والجريمة المنظمة والفساد (انرون، هاليبرتون، الخ).
والقوات الروسية ترى
في تحركات الإدارة الأمريكية تهديداً خطيراً، فالحشد في كل
اتجاه على الحدود الروسية والصينية (ومن الجملة الدرع الصاروخي
في بولندا، وضم بلدان الاشتراكية العلمية السابقة إلى الحلف
الأطلسي) يؤلف نوايا عدوانية بعيدة المدى ضد البلدين.
لقد استطاعت الإدارة
الأمريكية تقويض نظام الاشتراكية العلمية في قلاعه الأساسية،
وضربت الاقتصاد الروسي، وأصبحت تستهدف السلاحين الروسي
والصيني، وليس هذا خافياً على البلدين، ولذا، فإنهما على ما
يبدو، أخذا في الاستعداد لذلك، عسكرياً، وأيضاً على صعيد
السياسة الدولية، أبعاد ذلك ما تزال غير معروفة بدقة، ولكن
التناقض بين الإدارة والقوتين النوويتين الكبيرتين خطير للغاية
على الكوكب، إذا ما أدى إلى صدام نووي.
الداخل الأمريكي ينطوي
على تناقض، قبل كل شيء بين الجمهوريين والديمقراطيين، وتؤلف
قيادتا الحزبين عصابتين تتبادلان الأدوار على المسرحين الداخلي
والدولي. أما الشعب الأمريكي الواقع تحت نير التمييز العنصري،
ونير دستور متقادم رجعي يؤبد سلطة الأوليغارشية الرأسمالية،
ونير التضخم النقدي الأسطوري الذي يهبط بمستويات المعيشة
عمودياً (أصبح المليونير فقيراً نسبياً)، وينتج البطالة
والتشرد والجوع، فإنه يتناقض مع الرأسمالية الدولية منذ زمن
طويل، ويظهر تناقضه اليوم بتواضع على شكل احتجاجات متحالفة مع
الحركة الدولية ضد العولمة، وعلى شكل إضرابات عمالية تقمع
مباشرة، وعلى تمرد ملون هنا وهناك. رغم ذلك، فلن يبقى التناقض
بين الطبقات الشعبية والأوليغارشية الرأسمالية مسجوناً في
قمقم، وسوف يتصاعد.
المشروع الأمريكي،
والحالة هذه، يبدو أنه يكبح أكثر فأكثر، على مستويات عديدة،
ولكن يبقى لدى هذا المشروع وسائل عديدة وخطيرة، فتحت تصرفه
الجيوش (بما فيها جيوش المخابرات) والمال غير المحدود، وماكينة
الإعلام الجبارة، والإدارات الاستعمارية القديمة والإدارات
الثالثية. وتحت تصرفه أيضاً الرجعية المتمثلة في أدواته
المتنوعة، والمتمثلة أيضاً حتى في أدوات المقاومة.
إن المقاومة الوطنية،
والمقاومة السياسية للمشروع الأمريكي لا تنطوي على مقاومة
النظام الرأسمالي، كنظام، هو الذي ينطوي على أشكال العدوانية.
طبعاً المقاومة الوطنية والمقاومة السياسية تؤلفان تقدماً
تاريخياً، ولكن لا يحملون بذاتهما، الخلاص للبشرية، لأنهما لا
يحاربان رأس المال. قد يجعلان مشروع الإدارة الأمريكية أكثر
صعوبة، ولكنه يبقى حياً في الرجعية، التي تزوده دوماً بأدواته
الأساسية.
قد تفشل الإدارة
الأمريكية في مشروعها للشرق الأوسط الكبير، وقد تفشل في تركيع
إيران أو غيرها، ولكن يبقى مشروعها وبوسائل معدلة كثيراً أو
قليلاً من خلال القلاع الرجعية في العالم.
يفشل المشروع
الأمريكي، إذا ما تطورت المقاومة الوطنية والسياسية إلى مقاومة
للنظام الرأسمالي، وهذا يقع تاريخياً على عاتق القوى التقدمية
في العالم، القوى التي ترى التقدمية فقط في محاربة رأس المال.
الوضع الحالي الذي
خلقته الإدارة الأمريكية في العالم هو وضع همجي بكل ما في
الكلمة من معنى. ما من بلد، وما من فرد، مطمئن على أمنه، لا
على الحياة ولا على المال، إنه شبيه بالوضع في أوروبا القرن
الثامن عشر، مع الفارق في أن السلاح أفتك بكثير.
وهذا الوضع الهمجي يجب
أن ينتهي، ولا ينهيه سوى النضال التقدمي على المديين القريب
والبعيد.
محمد الجندي

--------------------------------
عندما انتصرت ثورة
أكتوبر الاشتراكية العظمى كانت روسيا دولة زراعية متأخرة
صناعياً وثقافياً ولم تكن مهيأة لتطبيق علاقات الإنتاج
الاشتراكية مباشرة فطرح لينين فكرة رأسمالية الدولة واعتبرها
خطوة إلى الأمام في جمهورية السوفييت الاشتراكية وأكد أن
رأسمالية الدولة الاحتكارية إنما هي الإعداد المادي الأكمل
للاشتراكية، إنما هي عتبتها، ولا يمكن اجتياز عتبة الاشتراكية
دون المرور بهذه العتبة.
أي أنه طرح هذه الفكرة
لمرحلة الانتقال إلى الاشتراكية ومهمتها تصنيع البلاد بأسرع
وقت ممكن وبناء القاعدة الاقتصادية القوية للنظام الاشتراكي.
ولكنه حذر من تشكل البيروقراطية في أجهزة الدولة جراء تطبيق
هذه السياسة وركز على دور النقابات العمالية نظراً لحتمية وجود
المصالح الخاصة بكل دائرة ووجود بعض التضاد بين المصالح فيما
يخص شروط العمل في المؤسسة بين جمهور العمال والمدراء. وبيّن
أنه إذا كان الهدف النهائي الذي يرمي إليه النضال الإضرابي في
ظل الرأسمالية إنما هو تحطيم جهاز الدولة وإسقاط السلطة
الطبقية القائمة، فاللجوء إلى النضال الإضرابي في دولة تعود
فيها السلطة إلى البروليتاريا لا يمكن تفسيره وتبريره إلا
بالتشويهات البيروقراطية للدولة البيروقراطية وبجميع أشكال
بقايا الماضي الرأسمالي في مؤسساتها من جهة، وبقلة تطوير
الجماهير الكادحة السياسي وتأخرها الثقافي من جهة أخرى.
ومن المعروف أن سياسة
رأسمالية الدولة حققت نتائج كبيرة في الاتحاد السوفييتي في
مراحلها الأولى وتمكنت من بناء دولة صناعية قوية وبنية
اقتصادية متينة وأثبت الواقع العملي أن سياسة رأسمالية الدولة
هي فعلاً خطوة ضرورية إلى الأمام في مرحلة الانتقال إلى
الاشتراكية كما قال لينين العظيم.
ولكن بعد أن أنجزت هذه
السياسة مهمتها فلماذا تم الاستمرار بها؟ وماذا نتج عنها
لاحقاً؟
ومن خلال تطبيق
رأسمالية الدولة في الاتحاد السوفييتي وإتباع أسلوب التعيين
المراتبي تشكلت البيروقراطية وهيمنت على أجهزة الدولة واستمر
هذا الوضع لعدة عقود مع تهميش دور النقابات والكادحين عموماً
في الرقابة على الإدارات وتمتع البيروقراطيون بمناصب ومنافع
مختلفة جعلت مصالحهم متناقضة مع النظام الاشتراكي هذا من جهة،
ومن جهة أخرى كانت المؤامرات الإمبريالية والصهيونية تحاك ضد
النظام الاشتراكي منذ ولادته مما أدى إلى انهيار النظام
الاشتراكي في بلد أكتوبر العظيم، وتم القضاء على جهود وأحلام
ملايين البشر ومما لاشك فيه أنه لولا الوضع الذي هيأه
البيروقراطيون لما نجحت كل هذه المؤامرات. ويكفي أن نسأل ما
الذي أوصل (غورباتشوف ــ يلتسين ــ شفارد نادزة ــ بوتين .....
الخ)، إلى قمة الهرم في الاتحاد السوفييتي؟
إن الذي دفعني للكتابة
حول هذا الموضوع هو ما قرأته في التقرير الاقتصادي المقدم
للمؤتمر العاشر للحزب الشيوعي السوري وكذلك البلاغ الصادر عن
الاجتماع الموسع للجنة المركزية المنعقد بتاريخ 25 كانون
الثاني 2008 فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي والمطالبة بتطبيق
سياسة رأسمالية الدولة حيث يبين التقرير الاقتصادي أن القوى
الليبرالية الكومبرادورية تريد ضرب رأسمالية الدولة التي تحافظ
بشكل أو بآخر على المصالح الوطنية الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية ونقل زمام الأمور للبرجوازية الجديدة التي اغتنت
من خلال نهب الدولة والشعب معاً وهي وكيلة للاحتكارات
العالمية.
وبما أن القطاع العام
هو ركن أساسي لرأسمالية الدولة المنتج الأكبر وصاحب الأصول
والرساميل الضخمة والذي يعاني من مشاكل وصعوبات كثيرة برز
اتجاهان لمعالجة أوضاعه ولأسباب عديدة:
الاتجاه الأول:
ليبرالي اقتصادي يريد إعادة هيكلة المجتمع السوري كاملاً
لمصلحة البرجوازية الجديدة وللاحتكارات العالمية ولا أريد
التعليق على الاتجاه لأنه معروف وتنفيذ برنامجه يعني الإنهاك
الاقتصادي الذي يفتح الباب للإنهاك السياسي ونسف السيادة
الوطنية.
الاتجاه الثاني: وهو
الخيار الوطني الذي يهدف إلى تعزيز القدرات الاقتصادية
والوطنية وتحسين الحياة المعيشية للجماهير الشعبية ودعم
الإنتاج الوطني ووضع حد للنهب الذي يمارس على الدولة والشعب
معاً.
ويعتبر الحزب الشيوعي
السوري من أهم القوى السياسية التي تتبنى هذا الاتجاه وتناضل
من أجله.
إن القطاع العام وكما
هو معروف يعاني من مشاكل وصعوبات كبيرة وأهمها من وجهة نظري:
1 ــ نظام الإدارة
المفرط في المركزية ووجود خلل كبير في طريقة اختيار الإدارات
ورقابتها ومحاسبتها.
2 ــ ضعف الحافز
المادي للطبقة العاملة بسبب السياسة الأجرية المتبعة.
وسأتناول هنا مسألة
الإصلاح الإداري انطلاقاً من رؤية الحزب الشيوعي السوري
ومناقشته بغية الوصول إلى إصلاح إداري يمنع سيطرة البيروقراطية
على أجهزة الدولة.
فلنقرأ معاً ما جاء
حرفياً في التقرير الاقتصادي المقدم للمؤتمر العاشر للحزب
المنعقد في دمشق 9 ــ 12 تشرين الثاني 2005، وذلك في سياق
الحديث عن «فصل الإدارة عن الملكية».
«ونرى أن البديل لهذه
المقولة هو الإصلاح الإداري القائم على البناء المؤسساتي
والكوادر الوطنية المخلصة والمؤهلة والقادرة على العمل إضافة
لوقف الاقتطاعات غير المشروعة، أي النهب البرجوازي البيروقراطي
والذي يطلق عليه عادة تسمية الفساد، وإعادة النظر بالأجور
والتعويضات والقوانين والأنظمة التي تحكم عمل هذا القطاع،
والمحاسبة على النتائج مع المرونة الكافية واللازمة للعمل،
وتفعيل دور الرقابة الشعبية، إلى جانب تفعيل دور المجالس
الإنتاجية ومجالس الإدارة في هذه المؤسسات».
والسؤال المطروح هو
كيف سيتم اختيار الكوادر الوطنية المخلصة والمؤهلة والقادرة
على العمل؟ ومن سيختار هؤلاء؟ ومن سيعين المجالس الإنتاجية
ومجالس الإدارة؟ ومن سيراقب عمل هذه الإدارات؟ وإذا كان الجواب
من الرقابة الشعبية فالسؤال هو كيف؟
إن الاعتماد على رقابة
الموظفين أثبت فشله كما تدل عليه تجارب البلدان الاشتراكية
السابقة والبلدان النامية وفي كثير من الأحيان يتستر الموظف
المراقب على المخالفات مقابل رشوة معينة.
إذاً ما هو الحل؟
وللإجابة على هذه
الأسئلة يكفي أن نقرأ ما كتبه أنجلس في مقدمة كتاب الحرب
الأهلية في فرنسا: «ولمحاربة تحول الدولة على هذا النحو من
خدام للمجتمع إلى أسياد له ــ وهو تحول لا مناص منه في جميع
الدول السابقة ــ لجأت الكومونة إلى وسيلتين لا تخطئان:
أولاً: (وهو الذي
يهمنا) عينت في جميع الوظائف الإدارية والقضائية والتعليمية
أشخاصاً منتخبين على أساس حق الاقتراع العام وأقرت في الوقت
نفسه حق إلغاء تعويض هؤلاء المنتخبين بقرار من منتخبيهم في أي
وقت».
وعلى هذا الأساس فإن
أي مشروع للإصلاح الإداري يجب أن يضمن حق الكادحين في انتخاب
قادتهم بشكل مباشر وهم وحدهم القادرون على اختيار الكوادر
الوطنية المخلصة والمؤهلة والقادرة على العمل وذلك بحكم
احتكاكهم وتماسهم المباشر معهم وهم القادرون على عزل الفاسدين
منهم وقد يخطئون هنا أو هناك ولكن بشكل عام سيختارون مَنْ هم
جديرون بالثقة وفي المؤسسات والمعامل الكبرى سيتم انتخاب مجالس
الإدارة وهذه المجالس تختار المدراء .... الخ.
استنتج من كل ذلك بأن
تطبيق سياسة رأسمالية الدولة في بلدنا وفي هذه المرحلة الحساسة
يتطلب ضمان حق الانتخاب المباشر لإدارات الدولة وضمان حق عزلهم
في أي وقت بدلاً عن سياسة التعيين المراتبي وبهذه الطريقة تكون
الرقابة الشعبية فعالة وكفيلة بعدم تشكل البيروقراطية والفساد
بشكل عام، أما الدعوة لتطبيق سياسة رأسمالية الدولة بدون هذا
الحق فذلك يعني وضع الكادحين أمام خيارين (إما الرأسمالية وإما
البيروقراطية) وبالطبع الكادحون لهم طريقهم الخاص ــ طريق بناء
الاشتراكية العلمية ــ الهدف النهائي لنضالهم.
حسن خليل ــ حلب

--------------------------------
منذ أكثر من أربع
سنوات كتبت مقالاً بعنوان: «تجليات الفساد وسبل مواجهته»،
وملخصه: تجلي الفساد عبر مستويات ثلاثة على الصعد كافة ــ
فالمستوى الأول كان ولا يزال يمثله قياديو البرجوازية
البيروقراطية والطفيلية المتكاملة في أساليب نهبها للدولة
والشعب معاً.
والمستوى الثاني التي
ترتكز عليه الفئة الأولى من خلال هيمنة هذا المستوى على
المفاصل الإدارية للاقتصاد الوطني.
أما المستوى الثالث
الأكثر عدداً وأقل انتشاراً من المستويين الأول والثاني، كما
تضمن هذا المقال التنبيه إلى التوسع التدريجي الأفقي والعمودي
لهذا المرض الذي أصاب اقتصاديات بلدان العالم الثالث وضرورة
معالجته وذلك بالمواجهة عبر توسيع الحريات الديمقراطية كآلية
مرافقة للقرارات التي يمكن أن تتخذ لاستئصال بنية هذا الفساد.
كما نبه المقال إلى
صعوبة مواجهة هذا المستوى من الفساد بسبب العلاقة الخاصة التي
تميز اقتصاديات بلدان العالم الثالث وهي البعد الاجتماعي الذي
لا يمكن أن يكون بعيداً عن التأثيرات السلبية لكل قرار اقتصادي
أو إداري أو سياسي يمكن أن يتخذ لمعالجة آفة الفساد أي أن
البعد الاجتماعي سيشكل عطاء مهماً وعقبة رئيسية إزاء أية
إجراءات عملية «حتى ولو كانت جزئية» لمواجهة مختلف حالات
الفساد.
وبعد مضي هذه المدة
على كتابة هذا المقال المنوه عنه أرى أن كل هذه الحالات
بمستوياتها الثلاث وأيضاً المعادلات الاجتماعية السائدة التي
تشكل عقبة في مواجهة الفساد أرى أنها تطورت إلى حد كبير. لكن
هذا التطور يتجه نحو الأسوأ وليس الأفضل، إذا لم نقل إن هذا
التطور بدأ بمرحلة جديدة من أدائه وهي مرحلة التخريب. وهذا
التخريب يبدأ الآن بقوة من خلال الإنهاك الاقتصادي التي تمارسه
قوى الانفتاح من الليبرالية الجديدة النشطة والقادرة حتى الآن
تغطية سياستها الهدامة عبر المعادلات الاجتماعية المنوه عنها
والتي هي بدورها تتطور بصورة متناغمة. لكن هذه التغطية على
الرغم من دقة التمويه والتشويه فهي آخذة بالتبلور أكثر فأكثر
باتجاه فضح أهداف هذه القوى الانفتاحية وبشكل موازٍ للتخريب
الذي تمارسه هذه القوى على المستوى الاقتصادي.
حيث أن معادلة التأثير
الاقتصادي على الساحة الاجتماعية تتفاعل بصورة أكثر احتداماً
وذلك عند كل إجراء مموه تقوم به القوى المخربة للاقتصاد
الوطني. إذ أن مختلف الإجراءات التي تم اتخاذها من قبل قوى
الليبرالية الجديدة كان لها انعكاس سلبي على الساحة
الاجتماعية. وهذا الانعكاس لا يمكن أن يخدم هذه القوى إلى ما
لا نهاية لاعتبار هذا الانعكاس كان واضحاً في التأثير على
مستوى المعيشة على الساحة الاجتماعية.
هذا مع الإشارة إن
التفاؤل في انفضاح أهداف هذه القوى على الساحة الاجتماعية
المستغلة حتى الآن لمصلحة قوى التخريب مرهون بمدى توسيع
الحريات الديمقراطية لهذه القوى الاجتماعية، إضافة إلى درجة
التوعية التي يجب توفيرها والعمل من أجلها من قبل كافة القوى
السياسية الوطنية والتقدمية في البلاد. وهنا نصل إلى البعد
الثالث وهو البعد السياسي كهدف تسعى إليه القوى الانفتاحية
بمختلف أطيافها البيروقراطية ــ الطفيلية ــ دعاة اقتصاد السوق
ــ المجتمع المدني ــ القوى الرجعية ............ الخ.
نعم .. إن القوى
الانفتاحية المرتبطة بالسوق الرأسمالية العالمية المندمجة مع
الصهيونية العالمية تقوم الآن بخطواتها التدريجية البطيئة
والسريعة والمتمردة بتخريب الاقتصاد الوطني وإنهاكه. وهي
تستفيد من المعادلة الاجتماعية المتأثرة من خلالها بعلاقات
الإنتاج الرأسمالية المشوهة, والهدف الذي تسعى إليه هو مصادرة
القرار السياسي وربط البلاد نهائياً بقوى الاستعمار العالمي
وأدواته الاقتصادية والمالية الواسعة النفوذ.
إن عمليات التخريب
الاقتصادي والاجتماعي واستمرارها دون مواجهة جدية ذات طابع
سياسي ووطني ستؤدي بالبلاد إلى الهاوية وإلى نشوء مصاعب حقيقية
في الحفاظ على السيادة الوطنية والصمود في مواجهة الحملة
الاستعمارية الشرسة التي تتعرض لها البلاد.
فالمقاومة السياسية
الوطنية المستندة إلى القاعدة الاجتماعية الواسعة أصبحت ضرورة
ملحة لوقف هذا التخريب الذي يعزز الأرضية الملائمة لنجاح
المشروع الاستعماري الجديد المعلن عنه. فالقوى التي كانت تطرح
وتتبنى شعارات اقتصاد السوق البراقة في البلدان الاشتراكية
السابقة، دون أن تتصدى لها المقاومة السياسية المطلوبة، أدت
بهذه البلدان إلى ما وصلت إليه الآن، علماً أن معظم القيادات
التي كانت تقود الاقتصاد الوطني في فترات سابقة لهذه البلدان
هي نفسها التي تحقق تحت قياداتها التحولات الاجتماعية
والاقتصادية الهامة لشعوب تلك البلدان هي التي قادت شعارات
الإصلاح إلى أن وصلت إلى مصادرة القرار السياسي وتحولت هذه
البلدان إلى دمى تحركها القوى الاستعمارية الجديدة إضافة إلى
التوترات الاقتصادية والاجتماعية والطائفية التي تفجرت بفعل
السياسات الاستعمارية المعروفة.
كريم شحود ــ حمص
 |