« 1 »
إلى د. ع عيشه
لمعرفة القانون «الموضوعي» الخاص بأسلوب
الإنتاج الرأسمالي، ألا وهو القانون المطلق العام للتراكم
الرأسمالي لابد لنا من أن نقرأ ما كتبه هذا العبقري ابد الدهر:
كارل ماركس حول هذا القانون، فقد كتب يقول:«إن تراكم الثروة في
جانب هو في الوقت نفسه تراكم البؤس وآلام العمل والعبودية
والامتهان والانحطاط الأخلاقي في الجانب الآخر، أي في جانب
الطبقة التي تنتج رأس المال» (رأس المال: الجزء الثالث القسم
الأول ص937).
إذا، إنّ تراكم رأس المال هو الذي يؤدي إلى
تردي وضع الكادحين وبالأخص: «البروليتاريا» وإلى نمو البطالة
والبؤس والقمع الروحي، ولقد كان كارل ماركس أول من كشف عن
الأساس الموضوعي لإملاق الجماهير الكادحة، وفسر الطابع
القانوني لهذه الظاهرة التي ترافق النظام الرأسمالي تفسيراً
علمياً موضوعياً.
إن القانون العام للتراكم الرأسمالي إنما
يفعل اليوم فعله بطريقة تثير الإعجاب والدهشة، بل قلّ نظيرها،
ولا يستطيع «المرتدون» من أمثال جماعة «إعلان دمشق» سواء
تقنعوا بقناع «الديمقراطية» الخالصة أو بقناع «اليسار»، والذين
سيطر على مجلسهم «اللا وطني» التيار الليبرالي المستبد
«الشمولي» لا يستطيعون أن يدحضوا هذا القانون «الموضوعي»
بكلمات فارغة جوفاء أو بدزينة من المقالات الاقتصادية الفارغة
والكاذبة«1».
« 2 »
ولنقرأ لماركس بانتباه: «إن حالة الفقر
المستمرة هي مأوى العجزة لجيش العمل العامل والكمية المهملة من
احتياطيه وإنتاجه متضمن في إنتاج الفائض النسبي للسكان.
وضرورته متضمنة في ضرورة هذا الفائض وهو يشكل معه شرطاً لوجود
ثروة الرأسمالي، وهو يدخل في النفقات الطارئة للإنتاج
الرأسمالي وهي نفقات يوفق الرأسمال على كل حال أيما توفيق في
إلقاء الشطر الأعظم منها على كاهل الطبقة العاملة والطبقة
الوسطى الصغيرة، ويكون الاحتياطي الصناعي أكثر عدداً بمقدار ما
تكون الثروة الاجتماعية، والرأسمال العامل واتساع تراكمه
وطاقاته أكبر حجماً، وكذلك بالارتكاز على العدد المطلق للطبقة
العاملة وقوة عملها الإنتاجية. وبما أن الأسباب نفسها التي
تنمي القوة التوسعية للرأسمال هي التي تسبب إمكانية استخدام
الطبقة العاملة فإن الاحتياطي الصناعي يجب أن يزداد مع ازدياد
محركات الثروة. ولكن كلما عظم الاحتياطي بالنسبة إلى جيش العمل
العامل عظم أيضاً فائض السكان الثابت الذي يكون بؤسه متناسباً
مباشرة مع الجهد المفروض. وأخيراً كلما ازدادت فئة المعدمين من
الطبقة العاملة بالأجرة ازداد أيضاً الإملاق الرسمي. هذا هو
القانون العام المطلق للتراكم الرأسمالي، وفعل هذا القانون
شأنه في ذلك شأن أي قانون آخر يتغير طبعاً بفعل ظروف خاصة»«2».
يمكن باختصار هنا أن نلخص جوهر القانون
العام للتراكم الرأسمالي بأنه كلما ازدادت الثروة الاجتماعية،
واتسع نطاق رأس المال العامل تراكماً وحجماً ونمواً كلما كان
العدد المطلق للعمال والقوة الإنتاجية لعملهم أكبر. وكان الجيش
الصناعي الاحتياطي أكثر عدداً.. وكلما كان هذا الجيش الاحتياطي
أكبر بالمقارنة مع القسم المشتغل كلما تزايد فيض السكان الثابت
الذي يتناسب بؤسه طرداً مع شدة العمل التي عانى منها جيش
العمال المشتغلين. وأخيراً كلما كانت الفئات الدنيا من الطبقة
العاملة والجيش الاحتياطي أكثر عدداً كلما كانت البطالة
المعترف بها رسمياً أعلى.
« 3 »
يرتبط بقانون التراكم الر أسمالي شكلان من
«التردي» في صفوف الكادحين وهما:
1 ــ التردي النسبي لوضع الطبقات الكادحة.
2 ــ التردي المطلق لوضع الطبقات الكادحة.
1 ــ التردي الأول يتمحور حول المقارنة ما
بين وضع الكادحين ووضع الطبقة البرجوازية. أو لنقل إن هذا
التردي النسبي إنما يظهر أولاً وقبل كل شيء في: انخفاض نصيب
الأجور من الدخل القومي وهذا ما يعكس درجة الاستغلال الطبقي
القومي أي القيمة الجديدة المنتجة في الاقتصاد الوطني خلال عام
إنما تنقسم إلى أجور «رأس مال متغير» وقيمة مضافة أي: م + ق.م»
فإذا كان معدل القيمة المضافة ق.م/م يتزايد فهذا يعني أن نسبة
الأجور إلى الدخل القومي م/م + ق.م تتناقص!! كتناقص الأجور
الفعلية على الساحة «السياحية»!.
ويظهر التردي النسبي أيضاً من خلال وضع
الطبقات الكادحة، بالترابط مع تطور الرأسمالية ذاتها. حيث
ينخفض نصيب الطبقات الكادحة من الثروة الاجتماعية. كم يملك
جورج سوروس والوليد بن طلال و ..الخ في هذا التطور المدهش
والفاقع للرأسمالية «المتوحشة»؟ وهكذا «الرأسمالية تجدد ذاتها»
وعلى ضوء هذا القانون العام للتراكم الرأسمالي فإن الشكل الأول
«للتردي» إنما هو ظاهرة فاقعة أو تفقأ العين! فحيتان المال قد
أكلوا الأخضر واليابس، إنهم يملكون مالا تعلمون! وانخفاض
الأجور حالة ملموسة يومياً، ولقد مل أو كاد يمل الحزب الشيوعي
السوري من كثرة ما تناولها وباختصار: الأجور الفعلية تتناقص
والأرباح في تزايد مستمر. ويعبر عن نقص الأجور هذا بـ «التضخم
النقدي»! ماذا يعني هذا الأخير ــ أقصد التضخم النقدي ــ وما
هي وظيفته في هذا التردي النسبي لوضع الكادحين في سورية؟؟ لا
بأس يمكن لنا القول أن التضخم النقدي هو التوسع الكبير في
إصدار النقود وطرحها للتداول ويستخدم هذا التضخم عندنا كما عند
غيرنا لتخفيف قيمة النقود على نطاق واسع اليوم من قبل الطبقات
المستغلة من أجل الإثراء السريع ونهب الطبقات الكادحة، إذ يعكس
التضخم هذا الارتفاع العفوي الحاد لأسعار البضائع وبالأخص
بضائع «لقمة الشعب» الضرورية، ولكن أجور العاملين «سعر بضاعة
قوة العمل» ترتفع بمعدلات أبطأ بكثير من معدل ارتفاع أسعار
مواد الاستهلاك والخدمات وتنخفض بالتالي مستوى معيشة الكادحين
وترتفع بالمقابل ثروات الطبقات المالكة بسرعة إن «التردي
النسبي» الذي هو من مفرزات قانون التراكم الرأسمالي إنما يفعل
فعله على الساحة السورية.علناً!!
2 ــ التردي المطلق لوضع الكادحين:
المقصود بهذا الشكل من التردي إنما هو:
انخفاض المستوى المعيشي للكادحين. وهذا الانخفاض لا يتحدد فقط
بمقدار الدخل الاسمي والحقيقي وإنما أيضاً بعوامل أخرى لا تقل
أهمية على الإطلاق ألا وهي 1 ــ حجم العمالة. 2 ــ البطالة.
3ــ مستوى الأجور النقدية. 4 ــ مستوى الأسعار للمواد
الاستهلاكية. 5 ــ حجم الأعباء الضريبية على العاملين. 6 ــ
طول يوم العمل. 7 ــ شدة العمل. 8 ــ الشروط السكنية والشروط
الاجتماعية والثقافية والسياسية التي يعيشها الكادحون.
لنلقي الضوء على الوضع القائم في سورية في
ظل هذا الشكل من التردي: 1ــ حجم العمالة يتراجع. 2 ــ حجم
البطالة في ارتفاع. 3 ــ مستوى الأجور منخفض. 4 ــ مستوى
الأسعار للمواد الاستهلاكية في ارتفاع حاد. 5 ــ حجم الأعباء
الضريبية على العاملين يرتفع مقابل إعفاءات ضريبة للطبقات
المستغلة بحجة الاستثمار أو التنمية المستدامة! هنالك 200
مليار ل.س معفاة من الضرائب على حد قول د.عمار بكداش. 6 ــ طول
يوم العمل: حدث ولا حرج من 12 ــ 18 ساعة. 7 ــ شدة العمل:
هائلة وتحديداً في القطاع الخاص!! 8 ــ الشروط السكنية (انظروا
ــ كمثال ــ في السكن العشوائي في العاصمة: دمشق! والنوعية
الرديئة فاقعة للرؤية..الخ).
« 4 »
وعلينا هنا أن ننتبه إلى مسألة هامة ألا
وهي أن ظاهرة التردي المطلق في وضع الطبقات الكادحة لا ترتبط
ميكانيكياً أو بشكل مواز مع تطور الرأسمالية. ما معنى هذا
القول: معناه أن هذا التردي إنما يتلازم مع تطور الرأسمالية
بشكل متفاوت أي أنه يختلف من بلد إلى آخر فقد يرتفع المستوى
المعيشي في بعض البلدان في فترة محددة لأسباب مختلفة ولكن
أهمها على الإطلاق هو نضال الطبقات العاملة لانتزاع مطالبهم
المادية فنضال الطبقة العاملة في أوروبا الغربية في القرن
العشرين قد أجبر الاحتكارات الإمبريالية على أن تتنازل وتوافق
على رفع مستوى معيشة الكادحين ولو لحين! مع الأخذ بعين
الاعتبار أن هذا «المستوى المعيشي المرتفع نسبياً» الذي حققه
الكادحون إنما يدين بجزء منه إلى «نهب» الاحتكارات الإمبريالية
لثروات بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وهذا ما جعل
منظري الطبقة البرجوازية يتحدثون زوراً عن اختفاء ما يسمى
بالتردي المطلق في صفوف الطبقات الكادحة الأوروبية، وبالتالي
بطلان مفعول قانون التراكم الرأسمالي الذي اكتشفه كارل ماركس،
علماً أن كارل ماركس قد كان مصيباً ودقيقاً عندما قال: «وفعل
هذا القانون شأنه في ذلك شأن أي قانون آخر يتغير طبعاً بفعل
ظروف خاصة» ولكن متى كان المنطق البرجوازي الإيديولوجي
موضوعياً وصادقاً في التعامل مع النص الماركسي، إنه يكذب
واليوم يكذب أكثر من أي وقت مضى.
اليوم ينتشر التردي المطلق والنسبي بشكل
فاقع ومخيف بين الطبقات الكادحة المأجورة في كل المعمورة
الرأسمالية! بما في ذلك الطبقات العاملة في أوروبا من شرقها
إلى غربها. وهذا ما يذكرنا بصور الإملاق التي سادت في القرن
التاسع عشر! والتي أحسن تصويرها وبكل دقة كارل ماركس في الجزء
الثالث من القسم الأول في «رأس المال» وكذلك أنجلز في كتابه:
«حالة الطبقة العاملة في انكلترا» بل ويمكن أن تضيف إلى هذا
التردي بشكليه، سياسة المذابح الجماعية التي تنتهجها
الإمبريالية العالمية وأذنابها ضد «قطب الشعوب» إنها «عولمة
الفقر» إنه الاستعمار الجديد المرتبط عضوياً بقانون التراكم
الرأسمالي. إن التردي المطلق والنسبي إنما يمكن أن نستشفهما
بكل شفافية من خلال: التضخم النقدي ــ عالمياً ــ من خلال
ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالمياً فالاحتكارات الإمبريالية
تحتكر«لقمة الشعب» لأجل زيادة الأرباح مع تخفيض قيمة قوة العمل
إلى الحد الأدنى إنها المجاعة! أو عولمة «المجاعة» ديمقراطياً!
وهكذا يبرهن قانون التراكم الرأسمالي على مفعوله إنه التردي
المطلق والنسبي اللذان يشملان غالبية البلدان الرأسمالية
(مراكز + أطراف) وبالأخص في الأطراف: «الغالبية»، ولهذا فإن
المعزوفة الرخيصة المهترئة والتي لا يزال لها بقايا بفعل قوة
«العادة» إيديولوجية والتي هي بالضبط «المستوى المرتفع نسبياً
لمعيشة العمال في البلدان الرأسمالية المتقدمة» هذه المعزوفة
المهترئة لم تعد تستطيع الآن أن تصمد أمام الوقائع لا في بلدان
المركز ولا في بلدان الأطراف. ويكفي هنا القول في الرد على هذه
المعزوفة المهترئة بأن المستوى المرتفع نسبياً سابقاً إنما كان
يدين بجزء منه كما أسلفنا أعلاه إلى النهب الذي مارسته
الإمبريالية العالمية لثروات بلدان أفريقيا وآسيا وأمريكا
اللاتينية. ونضالية الطبقات الكادحة في المركز و «وجود الاتحاد
السوفياتي»!! واليوم أقصد حالياً فإن الثورة العلمية
والتكنولوجية تفتح بدون أي مجال للشك إمكانيات واقعية غير
محددة بل هائلة لخلق الثروات المادية الضخمة غير أنه وبفضل
علاقات الإنتاج الرأسمالية، بفضل الاحتكارات الإمبريالية
الاستعمارية يقبع الملايين من الكادحين في بلدان المركز
والأطراف في البطالة والعوز والجوع والتشرد والخوف من المستقبل
و: «الإبادة الجماعية» حيث أنه، وفق رؤية «مولانا» الليبرالي
المتوحش هناك فائض من البشر لا لزوم له: ديمقراطياً وإنسانياً
فنحن معشر الفقراء الكادحين أصبحنا بنظر الإمبريالية وبالأخص
الإمبريالية الأمريكية: «حمر الجلود»!! بفعل قانون التراكم
الرأسمالي، أنظر على الأقل في الجوع الذي يهدد غالبية القارة
الأفريقية! ولا من مغيث! حيث تطلب الإدارة البرجوازية
الإمبريالية أن يقرؤوا الفاتحة على أرواحهم! ربما على طريقة «أوغادين»
أو «الأباتشي الجدد»!
سابقاً حاول المنطق البرجوازي أن يركز على
«مستوى المعيشة» متجاهلاً المستويات المادية الأخرى!! وذلك
لأجل دحض مقولة التردي المطلق والنسبي في صفوف الطبقات العاملة
في الرأسمالية وذلك كي يصل إلى نفي تفاقم التناقض الطبقي ومن
الذين عارضوا قانون التردي المطلق: برنشتاين وكاوتسكي في أوائل
القرن العشرين!! اليوم يجب وضع هذا المنطق البرجوازي في كيس
الزبالة وعلى رأس البيعة! كارل كاوتسكي وبرنشتاين والمعجبين
الجدد بهما!! الذين هم من محدثي النعمة!! وكذلك سقط المتاع
أقصد جماعة: إعلان دمشق من واشنطن!!
« 5 »
يزداد اليوم تفاقم التناقض الأساسي الملازم
للرأسمالية! والذي هو التناقض ما بين الطابع الاجتماعي للإنتاج
والطابع الخاص للتملك وهو التناقض الذي «يملّخ» الرأسمالية ولا
يبلغ حده الأعظمي إلا في مرحلة الرأسمالية الإمبريالية ــ انظر
في ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالمياً ــ إمبريالياً ــ
وهذا يتطلب بل بات يتطلب الضرورة: «الملاءمة»! ما بين علاقات
الإنتاج ومستوى تطور القوى المنتجة، وهذا النزاع ما بين
الطرفين لا يمكن حله ــ تحديداً اليوم ــ في ظل إمبريالية
تجويع الشعوب!! ونهب ثرواتها وإنتاج المزيد من الحروب لأجل
حفنة من الأرباح! بل باستبدال علاقات الإنتاج الرأسمالية والتي
باتت قيداً على التطور غير المحدود لقوى الإنتاج بعلاقات إنتاج
اشتراكية تزيل هذه القيود نهائياً ــ يسمي البعض هذه العلاقات
بالعدالة الاجتماعية والمساواة والحرية أو توزيع الثروة بشكل
عادل .. الخ ــ وهذه العملية لا تحصل ولن تحصل عبر «أحزاب» هي:
«أحزب ديمقراطية للإصلاحات الاجتماعية بل عبر ثورات شعبية
عالمية تنطلق من ديالكتيك العلاقة ما بين التحتي والفوقي!! أو
لنترك أنجلز يرشدنا: «وفقاً للتصور المادي عن التاريخ فإن
العامل المقرر في التاريخ هو آخر الأمر إنتاج الحياة الفعلية
وتكاثرها ولم يؤكد ماركس أو أنا أكثر من ذلك قط. ولذا فإذا شوه
بعضهم هذا الموقف بحيث يقول إن العامل الاقتصادي هو العامل
المقرر الوحيد، فإنه يحوّل تلك الموضوعة إلى عبارة مجردة فارغة
لا معنى لها. إن الوضع الاقتصادي هو الأساس لكن العناصر
المختلفة للبنية الفوقية ــ الأشكال السياسية للصراع الطبقي
ونتائجه ومثالها: الدساتير المطبقة من قبل الطبقة الظافرة بعد
معركة ناجحة .. الخ والأشكال القانونية وحتى انعكاسات جميع هذه
الصراعات الفعلية في أدمغة المشاركين والنظريات السياسية
والحقوقية والفسلفية والآراء الدينية وتطورها اللاحق إلى أنظمة
عقائدية ــ تمارس كذلك تأثيرها في مجرى الصراعات التاريخية وفي
كثير من الأحوال تحدد شكلها بصورة متفوقة. إن هناك تفاعلاً بين
سائر هذه العوامل التي تنتهي الحركة الاقتصادية إلى شق طريق
لها فيها على اعتبارها ضرورية. وذلك في ملء العدد اللا متناهي
من المصادفات «يعني الأشياء والأحداث التي يكون ترابطها الباطن
بعيداً جداً ومحالاً على الإثبات بحيث نستطيع أن نعتبره غائباً
وأن نهمله» وإلا فإن تطبيق النظرية على أية مرحلة من التاريخ
سوف يكون أسهل من حل معادلة بسيطة من الدرجة الأولى. إننا نضع
تاريخنا بأنفسنا لكننا نضعه في المحل الأول في ظل مقدمات وشروط
محددة جداً ومن بين هذه المقدمات والشروط تكون الاقتصادية منها
حاسمة. بيد أن الشروط والمقدمات السياسية الخ بل الأعراف التي
تراود الأذهان البشرية تلعب دوراً هي الأخرى وإن لم يكن الدور
الحاسم .. وفي المحل الثاني فإن التاريخ مصنوع على أي حال بحيث
أن النتيجة النهائية تنشأ دائماً من النزاعات بين إرادات فردية
عددية جعلت كل منها، بدورها ما هي عليه بفعل جمهرة من الشروط
الحياتية الخصوصية، وهكذا فإن ثمة عدداً لا يحصى من القوى
المتقاطعة. مجموعة لا نهاية لها من متوازيات أضلاع القوى تؤدي
إلى حصيلة واحدة ــ الحديث التاريخي الذي يمكن أن يُنظر إليه
بدوره على اعتبار نتاج قوة تعمل من حيث هي كل واحد بصورة لا
شعورية ودون خيار. ذلك أن كل إرادة مفردة تعارضها كل إرادة
أخرى فينبثق شيء لم يكن أحد راغباً فيه.
هكذا جرى التاريخ حتى الوقت الحاضر على
طريقة عملية طبيعية وهو جوهرياً خاضع لقوانين الحركة نفسها.
لكنه من جراء كون إرادات الأفراد ــ وكل واحد منهم يرغب فيما
تستحثه إليه بنيته البدنية والظروف الخارجية التي هي ظروف
اقتصادية في آخر الأمر (إما ظروفه الشخصية الخاصة وإما ظروف
المجتمع العامة) ــ لا تبلغ ما تريده بل هي تنصهر في متوسط
عام. في حصيلة مشتركة لا يجوز الاستنتاج بأنها مساوية للصفر.
إن الأمر على النقيض من ذلك فكل منها تسهم في الحصيلة وهي ضمن
هذه الحدود متضمنة فيها .... ويتابع أنجلس: «وإننا ماركس وأنا
ملومان حتى درجة ما لأن الشباب يشددون أحياناً على الجانب
الاقتصادي أكثر مما يجب. فلم يكن لنا بدّ من التشديد على
المبدأ الرئيسي حيال خصومنا الذين أنكروه. ولم يتوفر لنا
دائماً الوقت أو المكان أو الفرصة كي نعطي العناصر الأخرى
المشتركة في التفاعل حقها. لكنه حالما كان الأمر يتعلق بتقديم
شريحة من التاريخ يعني بتطبيق عملي. فقد كان الأمر يختلف ولم
تكن أدنى خطيئة يُسمح بها. وعلى أي حال فإنه لمن سوء الحظ أنه
يحدث في كثير من الأحيان أن يحسب الناس أنهم فهموا كلياً
النظرية الجديدة وأنهم يستطيعون تطبيقها دون مزيد من الضجيج
حالما يتمثلون مبادئها الرئيسية. وحتى هذه المبادئ بصورة غير
صحيحة دائماً. ولا أستطيع أن استثني من هذا اليوم الكثيرين من
«الماركسيين» المحدثين. ولابد من القول بأن أشياء غريبة صُنعت
في هذا المجال أيضاً».
(من أنجلز إلى ج. بلوخ: لندن في 21 ــ 22
أيلول 1890).
يوسف الجندي

--------------------------------